إما جهلة أو خونة

لو كنت من مواطني روما او برلين او لشبونة او لندن او موسكو او حتى واشنطن ونيويورك، لما ترددت في الخروج في واحدة او اكثر من تلك التظاهرات التي عمت تلك العواصم، منددا بالحرب وشيكة الوقوع في ا لمنطقةِ فكل تلك الملايين التي شاركت في عشرات التظاهرات الضخمة وغير المسبوقة، اكتوت بطريقة او بأخرى بحرب هنا او معركة هناك، ولكنها لم تعرف جميعها، كما عرف العراقيون طوال ثلاثة عقود، وعرفنا نحن في الكويت طوال سبعة اشهر، ما يعنيه العيش تحت نير نظام ظالم ودموي مثل نظام صدام، بدون طعام او دواء او كرامة او شرف او طمأنينة!.
من حق اوروبا الحرة الديموقراطية والبعيدة عن الخطر، والتي تتمتع بمستوى معيشي مرتفعِِ من حقها التظاهر والتنديد بالحرب، كما ان من حقنا وحق كل عراقي وحر في منطقة طال وزاد ظمؤها للحرية والكرامة، ان نرفض كل الاشكال والمظاهر الرافضة لقيام الولايات المتحدة بشن حرب على هذا النظام الجائر وتخليصنا والعالم منه الى الابد!.
ولكن دعونا نتخيل ان الولايات المتحدة قررت الاستجابة لمطالب المتظاهرين، كما يطالب الكثير من الجهلة والمتعصبين بيننا، وقامت تبعا لذلك بالغاء كل خطط الحرب على العراق والانسحاب من المنطقة وترك امر التخلص من نظام صدام الارهابي للعراقيين انفسهم، كما طالب 'ابو علي'! هل سيتحول بعدها العراق الى واحة من الديموقراطية والحرية والوئام، ام ان جنون العظمة الذي سيصيب صدام الذي سيصبح بعدها بطل الخليج والشرق الاوسط والعرب والمسلمين والعالم، وقائد 'أم المعارك' الذي اجبر قوات اعظم الدول على الانسحاب والخوف من مواجهته، سيحرق المنطقة بما فيها من بشر وزرع وضرع.
عندما تخرج القوات الغربية من المنطقة، كما يطالب الجهلة والخونة في بلادنا وفي المنطقة، فسنقوم، مواطنين ومقيمين، بعدها بالقاء نظرة الوداع الاخيرة على الرخاء الذي ننعم به الآن، ثم نقوم بعدها بأشهر معدودة بالصلاة على روح الطمأنينة والاستقرار اللذين طالما نعمنا بهما، ثم ستعم منطقة الخليج موجة من الاعمال الارهابية والتفجيرات مجهولة المصدر، والاغتيالات التي ستنسينا ما تعنيه كلمات مثل: النوم والامان، وسيكون اولئك الجهلة، او الخونة من بيننا، من اوائل الذين سيكتوون بنار صدام، تلك النار التي سوف لن يقتصر خطرها علينا فقط، بل سيمتد اثرها ليشمل كل دول المنطقة، وبعدها ستقوم حفنة معروفة من رجال الدين، ومن على منابر المساجد نفسها، التي طالما دعوا فيها للوقوف مع نظام صدام، بلعنه ولعن اهله، ومهاجمة القوى 'الامبريالية' التي ترددت في القضاء عليه! ان الغاء خطط الحرب يعني ببساطة انتهاء وجود الكثير من الدول، وربما يكون وطننا ووجودنا على رأسها، فهل فكر 'الجماعة' في كل هذه النتائج، قبل ان يفتحوا افواههم، او يطلقوا لأقلامهم الصدئة العنان؟ اشك في ذلك، فنحن كما قال غسان تويني: 'ما بنقرأ'!.
* * *
ملاحظة:
لماذا لم تقم تظاهرات منددة بالحرب في بغداد بالذات مماثلة في حجمها للتظاهرات التي قامت في الدول الاوروبية، وهي العاصمة المعنية اكثر من غيرها بخطر هذه الحرب؟ الجواب يكمن في عدم قدرة النظام، بكل ما يمثله من تنظيم ارهابي، في تجميع كل مليون مواطن في منطقة واحدة بغير ارادتهم، كما ان من الصعب، ان لم يكن من المستحيل، وجود مليون عراقي معارض لقيام الولايات المتحدة بتخليصه من اكثر انظمة الحكم قسوة وظلما من العالمِ والاهم من كل ذلك ان النظام في بغداد على غير استعداد، امنيا، للسماح لمليون شخص بالتجمهر والتواجد في منطقة واحدة!.

زوار الموقع
الارشيف

Back to Top