'أبا عكرمة' والديموقراطية

يعيش المحاسب 'أبا عكرمة' في الكويت منذ فترة طويلة، وقلما غادرها لزيارة أهله في الخارج، وعلى الرغم من اشتهاره بصفات طيبة، إلا أنه اشتهر أكثر باعتزازه بلحيته الطويلة وشاربه الكث أيما اعتزاز، وكان يوليهما عناية فائقة ويحرص على تشذيبهما ودهنهما بأفخر أنواع الطيب والغالي من الحناءِ وكان دائم المسح عليهما بأصابع يديه عند مشاهدة التلفزيون او القراءة، او عندما يستغرق في التفكيرِ وكان يعتقد أن رجولته، سواء ما تعلق منها بالفحولة، أو بالقول والتصرف، مرتبطة بشاربه، وكان يحرص دائما على اضفاء الجدية على تعهداته وأقواله بوضع يده على شاربه مهددا بازالته إن هو أخطأ في أمر أو فشل في عمل.
ازدادت عليه فجأة نوبات الصداع التي كانت تنتابه بين الفترة والأخرىِ وعلى الرغم من عدم ميله إلى تناول الأدوية، إلا أنه قام في الفترة الاخيرة بزيادة جرعات 'البندول'، التي كان يتناولها، ولكن تبين له أن تأثيرها فيه اصبح شبه معدوم، فتحول الى نوع 'الاكسترا'ِ وحتى هذا، بعد فترة، فقد تأثيره عليه فقام بتجربة 'أدول'، ولكن مفعول هذا لم يستمر إلا لأيام معدودة، مما دفعه إلى تناول 'أدفيل' ثم انتقل بعد فترة الى 'تايلانول'ِ وعندما فشلت جميعها في القضاء على الصداع الذي كان يصيبه تحول الى 'الاسبرين' لكنه تخلى عنه لأعراضه الجانبية، وبدأ، وبناء على نصيحة من صيدلي خبير بتناول 'الأتروفين'، ثم انتقل منه الى 'البروفينال' ولكن الصداع استمر وزادت حدته وتسبب في انقطاعه، ولأول مرة منذ سنوات، عن عملهِ وتدهورت نفسيته تدريجيا واصبح يميل الى الانعزال والبعد عن الناس، وتوقف عن القراءة ومشاهدة التلفزيون بسبب عدم قدرته على التركيز وانقلبت حياته إلى جحيم متصل.
في أحد الأيام، وخلال زيارة اضطرارية لمنزل قريب له، تصادف جلوسه بجانب احد المعزين، الذي تبين أنه مختص بطرق العلاج غير التقليدية، الامر الذي اثار اهتمامه، فحدثه عن مشكلته مع الصداع، وبعد توجيه مجموعة من الاسئلة الدقيقة له، قال له ان افضل طريقة للتخلص من صداعه تكمن في قيامه بنتف عدد من شعرات لحيته وشاربه كل اربع ساعات، إلى أن يزولا تماما، وعندها سيختفي الصداع إلى الأبد!
ما ان سمع أبا عكرمة ذلك الكلام حتى انتفض من مكانه كالملدوغ ونهض واقفا، وهو يستعيذ بالله من كلام ذلك الرجل، وخرج من المجلس مسرعا لا يلوي على شيء!
ولكن ما أن وصل الى حيث أوقف سيارته، حتى وجد أن ذلك الرجل قد لحق به معتذرا عن سوء الفهم، وقال له إنه مطمئن لما قاله له وجاد فيه، وأنه سوف لن يخسر شيئا لو طبق نصيحته حيث ان بإمكانه في أي وقت العودة عن الأمر واطالة شاربه ولحيته، وان عليه التفكير جديا في الامر، فالصداع المزمن سيزداد تأثيره مع الايام وسيصبح دائما، والأمر يستحق التجربة على أي حال، على الرغم من كل ما يكتنفه من احراج لشخصيته، واضاف ان عملية النتف اليدوية تلك وما ينتج عنها من ألم ترسل اشارات كهرو ـ مغناطيسية الى منطقة معينة من المخ تساعد في التخفيف من آلام الصداع تدريجيا ثم تقضي عليه بصورة نهائية.
وعد أبا عكرمة الرجل بالتفكير في الأمرِ ولكن أين يذهب بوجهه من اصحابه وأهله وأقاربه إن قام بنتف لحيته وشاربه؟ وكيف يبرر سبب ازالتهما وهو الذي لم يجعل شيئا يتعلق بالرجولة دون ان يربطه بطول شاربه وشكل لحيته؟! وأي تفسير يمكن ان يقدمه بوجهه الأملط وهو الذي ربط الشرف الرفيع بحجم الشارب وجعله لا يسلم من الأذى دون إراقة الدماء من حوله قبل حلاقته؟! لكن آلام الصداع كانت أكثر من أن يستطيع تحملها، وكان عليه التفكير جديا في نتف لحيته وشاربه اللذين طالما اعتز بهما وكانا مصدر فخره وعنوان استقلاله ودليل رجولتهِ وما شجعه أكثر على اتخاذ ذلك القرار شعوره ان بامكانه اطالتهما وقت يشاء، أو متى زال الصداع المزمن الى الأبد.

لقد جربنا في الشرق، وفي الدول العربية بالذات، كافة أنظمة الحكم من دكتاتورية ودينية وتسلطية وقبلية وعشائرية ومذهبية واشتراكية وملكية وقومية وبعثية وتقدمية وبدائية وميثاقية ووسطية ومركزية، لكنها فشلت جميعها في توفير الاستقرار والتقدم لدولنا، على الرغم من كل ما تمتلكه شعوبنا من إمكانات وأرضنا من ثروات وعقولنا من ملكاتِ وعليه لماذا لا نفكر في تجربة الديموقراطية على الطريقة الاميركية، على الرغم من كل ما يعنيه ذلك من تخل عن كل مصادر الاعتزاز بهويتنا وتقاليدنا وشواربنا ولحانا؟ وإن اكتشفنا ان طريقة الحكم تلك لا تناسبنا فان بامكان أي عقيد اعادة الأمور الى ما كانت عليه سابقا!
ألا يستحق هذا الأمر مجرد التفكير فيه؟

زوار الموقع
الارشيف

Back to Top