مقال 'العودة

هناك أوجه شبه بين توقف الكاتب اليومي عن الكتابة وتوقف الفنان عن الإبداع، او اضطرار أي منا لدخول المستشفى بسبب عارض صحي، حيث تكون فترة التوقف تلك فرصة للممثل أو الكاتب او المريض لمعرفة مدى حب الناس له أو تجاوبهم مع ما يؤديه من عمل، ومكانته في قلوبهم وعما اذا كانوا قد لاحظوا غيابه الطويل نسبياِ وقد تبين لي شخصيا حقيقة مشاعر البعض تجاه ما كنت أكتب وتألمهم الصادق لتوقفي عن الكتابة لسبب لم يكن باستطاعة الكثيرين منهم تفهمه أو وضع حد لهِ كما مكنتني فترة التوقف تلك من معرفة حقيقة مشاعر فئة أخرى كانت تحرص دائما على الثناء على ما أكتب، واستمر الثناء حتى خلال فترة التوقف التي قاربت ستين يوما، وهذا بين لي أن أكثرهم لا يقرأون! كما حرص أكثر من طرف على الطلب مني الاستمرار في الضغط على فئة محددة، دون تحديد لفئة معينةِ كما علق شخص معروف على كتاباتي بالقول 'عندك إياهم'، وتعني باللهجة المحلية: عليك بهم! وعندما طلبت منه تحديد الجهة التي يود مني أن أتولاها نيابة عنه، وأنا متوقف عن الكتابة منذ فترة طويلة! أشاح بوجهه ولف نفسه ب'بشته' الثقيل وزنا ورائحة بخور وغادر مجلس العزاء الذي تصادف وجودنا فيه دون ان يذكر دعاء المغادرة المعهود!
لقد عملت في المصارف لفترة طويلة، موظفا ومديرا وعضو مجلس ادارة، كنت في جلها مسؤولا بصفة منفردة، أو مع اطراف آخرين، عن منح ملايين الدنانير لمختلف الافراد والمؤسسات والشركات في صورة قروض وتسهيلات مصرفية ساعدت بشكل فعال في تكوين ونمو ثروات الكثيرين منهمِ وكنت أصادف دائما من كان يثني على فترة عملي تلك ومدى تأثير قراراتها في أوضاعه المالية، وكانت تعليقات الكثيرين منهم تدخل السرور إلى نفسي، خاصة أن العطاء الذي كنت أقوم به، والذي شاركني فيه الكثير من الاخوة والزملاء، كان دائما دون مقابل مادي او منفعة شخصية مباشرة! وقد اكتشفت بعد عشر سنوات من الكتابة اليومية المتواصلة ان كل ذلك الثناء والشكر اللذين حصلت عليهما نتيجة منح تلك الأموال لا يمكن ان يساوي ما يمكن أن يسمعه الكاتب، على سبيل المثال، من ثناء وشكر نتيجة كتابة مقال واحدِ كما أن الثناء والتقدير والتشجيع تكون عادة مصحوبة، في الوقت نفسه، بكم مقارب لها من اللوم والتقريع من أطراف آخرين، وتكتمل الصورة في أحيان كثيرة بدعوى قضائية ونيابة واستجواب ومحاكمة واستئناف وتمييز!
لكي لا نطيل كثيرا، فاننا ننتهز هذه الفرصة لنختتم مقال 'العودة' هذا بشكر كل من سأل او تساءل عن سبب توقفنا عن الكتابة على صدق مشاعرهم تجاهنا، ونتمنى ألا نتعرض لوعكة كتابية أخرى تكون سببا في توقفنا التام عن التواصل معكم من خلال صفحات 'القبس' العزيزة، وهذا أبغض الحلال!

زوار الموقع
الارشيف

Back to Top