'اقرأ باسم ربك

لا أعتبر نفسي إنسانا مميزا بدرجة كبيرة، ولكنني على ثقة بأنني اختلف عن الكثيرين في عدة أمور حيويةِ فاعتقاداتي الإنسانية والدينية والاجتماعية تختلف عن تلك التي يسير عليها البعض، وهذا جعلني في تآلف تام مع الكثيرين وفي صراع دائم مع الأكثرِ ولم تأت هذه الأفكار او المعتقدات او المواقف، التي ليست بالضرورة صحيحة، كمحصلة لما تعلمته في المدرسة والجامعة لسنوات طويلة، او نتيجة مشاهدة التلفزيون لساعات أطول، كما لم يكن سبب ذلك يعود لشغفي بمشاهدة المسرحيات والافلام السينمائية، أو نتيجة للاحتكاك المستمر مع الآخرين والتحدث معهم والاستماع لوجهات نظرهم والمشاركة كمستمع أو محاضر للندوات، على الرغم من أنها جميعا أمور مفيدة وغاية في الأهمية في اكتساب المعارف، ولكن يمكنني القول إن جل ما تعلمته يعود سببه الى عادة القراءة المكثفة والمستمرة والمتنوعة التي صاحبتني منذ سنوات عمري المبكرةِ فالقراءة المتقطعة وغير الجادة، التي تقتصر على موضوع محدد ولفترة قصيرة، لا يمكن أن تؤدي الى الكثير، فليس هناك، حتى الآن طريقة أجدى وأكثر فاعلية لخلق إنسان مميز، او مختلف بصورة أصح، سوى القراءة ثم القراءة ثم القراءة، وهذا ما يقوم به قارئ هذا المقال، ولا يعني هذا بالضرورة أنه قد استفاد شيئا من قراءة هذه الفقرات.
وعليه يمكن أن نعزو سبب جميع عللنا الاجتماعية وتخلفنا الصناعي وتأخرنا الزراعي، اضافة الى 'دزينة' من حالات التخلف الأخرى، وفي أي مجال يمكن تخيله، الى عدم حبنا او ولعنا او ميلنا او رغبتنا في القراءةِ فما يكتب وما ينشر وما يؤلف في منطقتنا العربية هو الأقل مقارنة بأي مجموعة أخرى في اي منطقة من العالم، علما بأن القراءة بحد ذاتها، كما سبق ان ذكرنا، لا تعني الكثير، إن لم يصاحبها فهم، والفهم لا يكفي إن نسينا في اليوم التالي ما سبق أن فهمناه، وتذكر الفهم لا يجدي إن لم يصاحبه تطبيق مجد!
فكيف يمكن أن نتعلم بأن من الخطورة قيادة السيارة دون حزام أمان؟ فما بالك بمن يصر على ترك طفله الصغير واقفا على الكرسي الأمامي! وكيف يمكن أن يتعلم الإنسان عشرات القواعد الصحية المتعلقة باستعمال المناشف في النوادي الصحية والحمامات العامة، وفهم طرق استعمال المعدات والآلات وكيفية تناول الأدوية، وخطورة المخدرات وأمراض الإدمان الأخرى؟ وكيف يمكن أن نتعلم كيفية التعامل بإنسانية واحترام مع مرؤوسينا، خاصة خدم المنازل ومن في حكمهم، وأن نحترم معتقدات الغير الدينية ونتعايش مع الآخر، ونحترم الغريب او المعاق، ونساعد كل محتاج ونأخذ بيده، ونقدس حرية الرأي، مهما كانت درجة الاختلاف، ونتعلم فن الحوار من غير تشنج او اطلاق رصاص، ونكتسب مختلف فضائل التسامح والامانة والصدق واحترام المواعيد وغير ذلك من العادات والمفاهيم الراقية دون قراءة يومية جادة؟ لست ادري.

ملاحظة:
تبلغ نسبة الامية 43% بين شعوب الدول العربية، اي 65 مليون امي من اصل 280 مليون نسمة! كما بلغ عدد الكتب التي ترجمت في اسبانيا، التي كانت سابقا تسمى 'الاندلس العربية' في عام 2002 العدد نفسه الذي تمت ترجمته في 22 دولة عربية في الالف عام الاخيرة! هذه فقرة واحدة، من عشرات الفقرات المخجلة، التي ورد ذكرها في تقرير صندوق الامم المتحدة للانماء، والصندوق العربي للانماء الاقتصادي والاجتماعي عن حال العالم العربي!

زوار الموقع
الارشيف

Back to Top