ننتمي للشعوب الأكثر تخلفا

لو تمعنا في ممارساتنا اليومية العادية لتبين لنا، وبما لا يدع مجالا للشك، أننا الأكثر مباهاة بأصولنا، والأكثر تمسكا بعاداتنا وتقاليدنا، والأكثر احتقارا للآخرين ومقتا لهم، وخاصة أولئك الذين يختلفون عنا في الجنس أو الدين أو اللونِ ولم تتشكل هذه النظرة الدونية للغير، وذلك الاعتقاد بالرفعة، وبالذات تجاه شعوب قارتي أفريقيا وآسيا وبعض الشعوب الأخرى، في السنوات القليلة الماضية، بل تشكلت عبر فترة طويلة من الزمن كان للتراث الأدبي والثقافي من جهة ولموروث الفكر الديني من جهة أخرى الدور الأكبر في تأصيل هذه الفكرة أو النظرة وترسيخها!
تعتبر فضيلة التسامح وقبول الآخر من أعظم فضائل البشر وأكثرها أهميةِ وبالرغم من أهميتها، فإنها غائبة تماما عن أدبياتنا المكتوبة وتعاملاتنا اليومية، كما ينعدم وجودها في مناهجنا الدراسية، وربما العكس هو الصحيح، فنحن على لسان شعرائنا 'قوم لا توسط بيننا، لنا الصدر دون العالمين أو القبر'!
ومن الواضح أن القبر لفظنا، بعد أن خسرنا 'الصدر' منذ فترة طويلة.
***
تدين غالبية الشعب السنغالي بالإسلام، وبالرغم من ذلك لم يمنعهم دينهم وتدينهم من اختيار الفرنسي الجنسية، والكاثوليكي الديانة الشاعر ليوبولد سنغور ليكون رئيسا لجمهوريتهم لفترتين متتاليتين من خلال انتخابات حرة لا نعرف طعمهاِ ولولا إصراره على التقاعد بعد أن أمضى فترة رئاسته الدستورية، لتكرر اختياره رئيسا لفترات أخرى.
حدث ويحدث ذلك في السنغال، في الوقت الذي لا تتمتع به غالبية شعوبنا، لكي لا نقول كلها، ولو بجزء يسير مما تتمتع به تلك الدولة من تسامح عرقي وديني واضح، ومع هذا نصر على أننا أحسن منهم مالا وأصلا وفصلا !
الهند، التي تنتشر بيننا ثقافة السخرية منها، ووصف شعبها بما لا يليق، مع علمنا التام بأنها تتفوق علينا في كل مجال يمكن تخيله صناعيا كان أو تجاريا أو طبياِِ وحتى أخلاقيا، أعلن رئيس وزرائها 'أتال فاجباي'، عن استقالته من منصبه بعد هزيمة حزبه في أكبر عملية انتخاب ديموقراطية في التاريخ والعالم، والتي فاز فيها 'حزب المؤتمر الهندي' العريق، حزب جواهر لال نهرو وموراجي ديساي وانديرا غاندي بالأغلبية!
وإذا سارت الأمور كما يتمنى زعماء الحزب الفائز فستتولى 'سونيا غاندي' منصب رئاسة الوزراء، وستصبح بذلك أول أوروبية، دما ولحما وشحما وعرقا ولونا ومولدا واصلا وفصلا، تتولى هذا المنصب الرفيع بطريقة ديومقراطية.
إن العامل الأهم وراء اختيار غالبية الشعب الهندي، الذي يتجاوز عدده المليار، للإيطالية سونيا غاندي زعيمة لحزب المؤتمر ومرشحة قوية ووحيدة لرئاسة الوزارة، هو ما يتسم به الهندي عموما من 'تسامح'، وهو العامل الذي يفتقده الكثيرون منا، بالرغم من أننا أحوج ما نكون إليه، في خضم كل هذا العنف والرفض للآخر الذي نعيش فيه، وما ندعيه من أننا على حق في كل ما نفعل، وأن الآخرين هم السفلة وهم الخطاؤون.
ولكن ما العمل إذا كانت غالبية من يعنيهم الأمر من غير قراء هذه الزاوية؟!.

زوار الموقع
الارشيف

Back to Top