الديموقراطية أو الطوفان

ستجري خلال ثلاثة أسابيع تقريبا في ايران انتخابات لاختيار خلف للرئيس محمد خاتمي، الذي يغادر الرئاسة بعد ثماني سنوات دون ان يتمكن من تحقيق أي من أحلامه التي سنفترض وجودها لدى رئيس إصلاحي، كما يحب ويرغب هو وأنصاره بأن يوصف!
فشل الرئيس خاتمي، وعلى مدى دورتين في عمله، كما فشل من قبله بني صدر ورفسنجانيِ وقبوله المرة تلو الأخرى بتدخل المتشددين الدينيين شديدي المحافظة في سير عمله كرئيس للجمهورية، دون أن يصدر منه اي احتجاج او اعتراض هو أكبر دليل على فشله وفشل أي دولة تقوم على الحكم المبني على المعتقد، أو الدولة الثيوقراطية! فقد كانت ولاية الفقيه، أو رأي الفقيه الحاكم، هي الرأي المسموع والمطلوب الانصياع له، وليس رأي المؤسسة التشريعية او التنفيذية التي عادة ما تصدر أحكامها بعد تأن ودراسة لأي موضوع من كافة جوانبه، بعد مروره على مختلف اللجان من خلال أقنية دستورية واضحةِ فحكم الفرد الذي كان سائدا أيام الشاه، أو ما سبق ذلك بقرون عديدة، هو المطبق الآن في ايران وليس حكم دولة المؤسسات، أو ما يحب الايرانيون الاعتقاد بوجوده.
لقد كان الرئيس خاتمي، الذي نجح في الدورة الثانية في اكتساح جميع منافسيه وبنسبة عالية جدا، الحصان الذي راهن عليه إصلاحيو ايران في إحداث التغيير المطلوب في سياسة الدولة، ولكن خصومه من غلاة المتشددين نجحوا باقتدار في استنزاف طاقاته الأمر الذي نتج عنه اصابته باحباط كبير.
يعود فشل سياسات الرئيس خاتمي الاصلاحية في المقام الأول الى قوة المرشد الأعلى، الذي لم يوجد، ولا يوجد ما يماثل منصبه في قوته وتعقيد مهامه، والذي كان دائم التصدي له والتدخل في عملهِ كما تسبب في مرات كثيرة في إحراجه أمام رؤساء وممثلي الدول الأخرى باعتراضه الدائم على ما كان يتفق عليه معهم.
ويعود سبب فشله ايضا الى تعدد مراكز اتخاذ القرار في تلك الدولة، وما يشكله كل منها من قوة ونقطة جذب، بحيث يصعب على أي رئيس منتخب السيطرة عليها بطريقة متوازنة دون التعرض لغضب واعتراض الأطراف الأخرى، خاصة أن كافة مراكز القوى تتبع المرشد أو الفقيه الأعلى، وليس رئيس الجمهورية.
أما السبب الأهم في فشل الرئيس خاتمي في مهامه، فإنه يعود للعدد الكبير من أصحاب العمائم الذين يحق لهم، أو لا يحق لهم، التدخل في مجريات شؤون الدولة بحكم الهالة التي تضفيها عليهم عمائمهم، إما بسبب قوة شخصياتهم ودرجة ما يمتلكون من مقلدين وأتباع وأموال طائلة، أو ما توفره لهم مراكزهم الدينية من قدرة على التصدي للكثير من الأمور بالإفتاء كيفما كان، الأمر الذي يجعل من توازن أعمال الدولة واتساقها مع السياسات العليا أمرا شبه مستحيل.
لقد أثبتت التجربة الايرانية المبنية على حكم رجال الدين، الذين لا يمكنهم وضع حلول وتصورات لمختلف المشاكل التي تواجه الإنسان المعاصر، بأنها تجربة فاشلة بكافة المقاييسِ فالفقر في ايران منتشر، ومستوى المعيشة في انخفاض مستمر، والعملة الايرانية لا قيمة لها، والدولار، عملة الشيطان الأكبر هي الوحيدة التي تحظى بالاحترام، كما يمكن القول بأن الفساد الإداري والمالي اصبح تقريبا في مستوياته نفسها أيام الشاهِ أما حقوق الإنسان، وهي القضية الأساسية التي ادعى من قام بثورته على الشاه من أجل الدفاع عنها، فإنها الآن في الحضيض، وتقارير المنظمات المعنية بحقوق الإنسان، وسجون ايران هي أكبر دليل على ما نقول.
إن الديموقراطية لا تفصل كالثوبِ فإما ان نأخذها كما هي مطبقة في العديد من الدول المتقدمة، أو أن نتوقعِِ الطوفان! فلا حل وسطا هناك.
ولكن من يقرأ ما نكتب؟

زوار الموقع
الارشيف

Back to Top