لعنة الثراء

لا شك ان ما نرفل به من نعيم مادي يعود إلى وجود البترول لدينا، وهو امر لم يعرفه من سكن هذه الارض قبل قرون معدودةِ وكان من الممكن ان لا تعني هذه المادة شيئا غير وظيفتها في طلاء الجمال الجرباء، لو لم يخترع الغرب الآلات والمحركات والسفن والطائرات التي تحتاج الى البترول كوقودِ
نقول ذلك بمناسبة تصاعد الوتيرة النيابية المطالبة بتشجيع النساء العاملات على البقاء في البيت مقابل صرف بدل نقدي لهن يتناسب ومؤهلاتهن الدراسيةِ هذا الاقتراح لم يصدر من فراغ، بالرغم من مصدره الفارغ، لكنه جاء كخطوة محسوبة اخرى لجر المجتمع الى مستوى جديد من التخلفِ
ان استمرار عمل المرأة خارج المنزل، خصوصا اننا مقبلون على انتخابات نيابية سيكون للمرأة دور واضح فيها، يشكل خطرا على وضعية الرجل المتخلف الذي يريد دوام سيطرته على الطرف الآخر، تحقيقا لرغباته والرخيص من نزواتهِ فهو يود اعادتها الى البيت، على حساب اموال اجيالنا القادمة، قبل ان يستفحل الامر، وتعلم مدى ما تمثله من ثقل وقوة مع استمرار وتكرار مشاركتها في الانتخابات، ترشيحا وانتخابا!
فهذه المطالبات ما كان لها ان تظهر، او حتى يتم التفكير فيها لو لم نكن نرفل بكل هذا الثراء المادي الزائفِ فكثرة المال، والسائب منه بالذات، هي التي دفعت بهؤلاء 'المشرعين' للتقدم بمثل هذه المقترحات الرجعية، باسم العادات والتقاليد التي تهدف الى تفرغ المرأة لعملها كآلة تفريخ اطفال، ونفخ وطبخِ
ولكن لو لم يكن النفط قد ظهر لدينا، وبقينا، كما كان المرء يتوقع قبل اقل من نصف قرن، فقراء ومعدمين، فهل كنا بمثل هذا التشدد فيما يتعلق بعمل المرأة؟
ولو كنا فقراء ومعدمين، فهل كان هذا النائب، او ذاك المشرع، يتجرأ على المطالبة، او حتى مجرد التفكير، في ابقاء المرأة ضمن جدران اربعة من دون عمل؟
أليس للثراء والجهل دور في مثل هذه الاقتراحات السخيفة التي تهدف إلى القضاء على مكتسبات المرأة، بالرغم من تواضعها حتى الآن؟!
ولو كنا فقراء معدمين، ألم يكن هذا المشرع وغيره يطالب بتشجيع المرأة على العمل، لأن عملها جزء من عاداتنا وتقاليدنا؟
ان حق المرأة في العمل، وحقها في تحقيق ذاتها، وحقها في تسخير طاقاتها وعلمها لخدمة وطنها، وحقها في ان يكون لها كيان نفسي ومادي مستقل، امر لا يمكن شراؤه بمال، فالأمر مرتبط بكينونتها كإنسانة لها رأي واسلوب وذوق وموقف من كل امر، واعادتها للبيت، بإغراء مادي او بغيره، بعد ان فشلت الوسائل الاخرى، سيكون له مردود شديد السلبية، وهذا بالضبط ما يبحث عنه، ويتمناه مقدمو هذا الاقتراح العجيب الذي لم تفكر به دولة واحدة في العالم!ِ
يبدو ان لا حاجة لنا لأن نعيش رجبا لكي نرى عجبا، فأشهر السنة كلها حبلى بالسخيف من المفاجآت والاقتراحاتِ

زوار الموقع
الارشيف

Back to Top