الليبرالي النجفي في «الصندوق الأسود»

ماذا سيكون شعورك لو قدت سيارتك في طريق وعرة لفترة طويلة، واكتشفت أنك ضيعت وقتك بارتياد الطريق الخطأ؟
هذا ما حصل معي بعد أن «أضعت» أكثر من 30 ساعة في مشاهدة 25 حلقة من برنامج الصندوق الأسود، للمقدم «عمار تقي» مع النائب العراقي «فائق الشيخ علي».
 ***
أعترف أنني في البداية كنت معجبا بأسئلة المقدم وبأجوبة ضيفه، إلا أن ذلك لم يطل كثيرا، مع بدء انهمار الادعاءات بالمعرفة والبطولة من الضيف، ووقوعه في أخطاء تاريخية كتابعية الكويت وأجزاء كبيرة من السعودية والخليج للعراق، الذي كان هو أصلا إقليما تابعا للدولة العثمانية! كما أخطأ في إلقاء مسؤولية حرب العراق الغبية على إيران على الدول الخليجية، والكويت بالذات، وكيف أن ذنب ثكلى وأرامل وأيتام العراق في رقبة أهلها. وكيف أن اسم الشيخ مبارك الصباح، كان بين المرشحين لتولي العرش في العراق عام 1920، في حين أن الشيخ مبارك توفى قبلها بخمس سنوات، وهذا خطا ما كان يجب الوقوع فيه، إلا إذا كان الهدف منه كسب «رضا» البعض، وإعادة إحياء فكرة طالما راودته في أن يكون سفيرا للعراق، أو يعود زعيما لـ «حزب الشعب للإصلاح»، بعد فشل خططه في التحالف مع شخصيات كويتية، وتزكيته سفيرا، والقيام بنشاطات لا علاقة لها بالدبلوماسية، الأمر الذي ربما دفع الحكومة العراقية حينها للإسراع في تعيين «محمد بحر العلوم» سفيرا للعراق، لوضع حد لطموحاته غير المرغوبة!
***
كان واضحا من الحلقات التي ربما أضعت وقتي في مشاهدتها، والتي كان من الممكن اختزالها في عدد أقل بكثير، مدى اعتداد الضيف بنفسه وبقصصه، على الطل غالبا، وانبهار المقدم به وبها، والتي سمع الضيف بغالبيتها أثناء تواجده في لندن في محيط كبار رجال المعارضة العراقية من رجال دين كعبدالعزيز الحكيم وسياسيين كإياد علاوي وأثرياء كأحمد الجلبي، بطل فضيحة بنك البتراء، و«أفندية» شيعة من أحزاب سياسية دينية متفرقة، لم يعرف عنهم يوما الالتزام الديني، وأغلب قادة حزب «الدعوة» بشقيه، أو بثلاثية شقوقه تاليا، من أمثال جواد (نوري) المالكي والجعفري والشهرستاني والعبادي وغيرهم.

وكانت سقطة لا تغتفر منه طغيان الأنا في حديثه، والغرور في القول وهذا ربما دفعه للتحدث باسم الشعب العراقي أجمع، ومحاولته البائسة إضفاء آرائه ومشاعره الخاصة عليهم، وكأنه المعبر الصادق عنها، وخاصة في قضايا جدلية وحساسة لا يتفق اثنان في العراق عليها.

كما سقط مقدم البرنامج، «عمار تقي»، الذي لا زلت أكن له شيئا من الاعجاب والاحترام، من خلال اسئلته، في خطيئة اختزاله للعراق، بدياناته وطوائفه ومحافظاته وكل تراثه، اختزاله في مدينة النجف المقدسة لدى أتباع الطوائف الشيعية، وتكرار اسئلته عن أهلها وعاداتهم وتقاليدهم ومراجعهم، وعلاقتهم بالمرجعيات الدينية الأخرى في كربلاء والكوفة وقم وغيرها، ودور حزب الدعوة وتاريخ وسبب تأسيسه، وملابسات إعدام مؤسسه وافكاره و«فلسفته»، وتكرار العودة لموضوع المراجع العليا في النجف المرة تلو الأخرى، وكأنه ليس في العراق أمور يستحق التطرق لها غير المرجعية وما حولها، علما بأن الضيف حاول أكثر من مرة أن يبين حقيقة دور «المراجع» الهامشي في السياسة العراقية، وغالبا برغبتهم، وتماشيا مع تراث شيعي قديم يدعو لترك السياسة لأصحابها والتفرغ للعلم لحين ظهور المهدي.
***
اكتشفت ضياع الوقت في منتصف الحلقة 25، وبعد سماع الضيف يكرر جملة «آني ليبرالي» لأكثر من مرة، وإصراره عليها بقوة كلما تطلب الأمر الحديث عن موقف ديني، وتبرير الدفاع عنه بكون ليبراليا!

كما ذكر الضيف بأن السيد الخوئي، المرجع الشيعي الأعلى، وقت وقوع «الانتفاضة الشعبانية»، التي أعقبت هزيمة صدام المدوية في حرب 2003، لم يصدر أي بيان يؤيد الانتفاضة، بالرغم من أن قيادتها (المخترقة حسب قوله) كانت في بيته. وإن المرجع «السبزواري» كان الوحيد الذي أصدر ما يشبه الفتوى السياسية بتأييدها، وكيف أن صدام وجه إهانة شديدة للسيد الخوئي، باعتقاله ونقله من بيته لبغداد، لمقابلة صدام، في سيارة بيكآب!

أما السبزواري فقد أرسل له صدام ضابطا طويلا أسمر البشرة، اشتهر بتنفيذ الأوامر وعدم التردد في قتل مئات الآلاف، لاعتقاله، ولكنه فشل في ذلك حيث لم يستطع، لسبب مجهول، تجاوز عتبة الغرفة التي كان يجلس فيها السبزواري، وتراجع خائبا عن تنفيذ أمر صدام!

وفي ظل عدم وجود تفسير لتصرف الضابط المحير، تبرع السيد فائق، الليبرالي جدا، بتفسيره الخاص قائلا أنه يعرف السيد السبزواري، فهو قريب جدا من الله ويقرأ الأدعية والآيات باستمرار. وعندما دخل عليه ذلك الضابط لاعتقاله قرأ دعاء كان كافيا لمنع الضابط الشرس من دخول الغرفة لاعتقاله!!

لا أدري لماذا لم يتوقف مقدم البرنامج عند هذه الحادثة الغريبة، وهو الذي وقف عند ما هو أقل منها أهمية، ويسأل الضيف عن سبب عدم تسريب السبزواري لنص ذلك الدعاء للمرجع الأعلى الخوئي مثلا؟ ولماذا لم يسمع بالدعاء أئمة كبار، أفضل منه وأرفع مقاما، ومع هذا استشهدوا على أيدي طغاة وتم التمثيل بهم؟
***
بالرغم من الضجة الإعلامية التي أثيرت حول البرنامج، فإن الحلقات، أو الذي شاهدته منها، لم تكن موفقة!

وطالما أن المقابلات كانت مسجلة مسبقا، فكان حريا بالمعد رفع فقرة الدعاء، لصعوبة تبرير إجراء مقابلة، بهذا العدد من الحلقات، مع من يؤمن بمثل تلك الغيبيات في العقد الثالث من القرن العشرين، ويصر فوقها على الفهم والليبرالية؟

أحمد الصراف
a.alsarraf@alqabas.com.kw

زوار الموقع
الارشيف

Back to Top