مساجد طهران العاصمة... تقاليد وعوائق

يتّبع شيعة إيران، الذين تزيد نسبتهم عن 80% الجمع في صلواتهم، قلل ذلك كثيرا، لأسباب عملية، من الرغبة في أداء الصلوات في المساجد. فالجمع يعني عدم وجود "وقت محدد" لأداء"صلاتي الظهر والعصر"، أو "صلاتي المغرب والعشاء"، بل يمكن أدائها من الساعة كذا إلى الساعة، كذا، وهذا يجعل وجود "إمام" للصلاة خلفة مسألة غير عملية، وبالتالي على من يود أداء الصلاة في المسجد، أن يؤديها، بغير إمام. ومع الوقت اختار المصلون أداء الفرض في بيوتهم، ولم يكن غريبا بالتالي ملاحظة ندرة المساجد، في المناطق الشيعية من إيران وغيرها. وفوق ذلك لايميل الشيعة، بشكل عام، للصلاة وراء أي إمام كان، بل يتطلب الأمر، من المصلي، غالبا، التيقن من قدر وعلم الإمام قبل الصلاة خلفه، وهذا ايضا قلل من أهمية ورود المساجد للصلاة.
تغير الحال بعد الثورة، حيث حول السيد الخميني، صلاة الجمعة، التي كانت شعيرة محدودة الانتشار وغير رسمية، أيام الشاه، إلى مناسبة سياسية بالغة الأهمية، خاصة في السنوات الأولى للثورة، لتفقد كل زخمها مؤخرا. ويعود الاختلاف الجذري بين العهدين إلى أسباب فقهية وسياسية واجتماعية، ففي العهد البهلوي كانت صلاة الجمعة غير واجبة، في زمن "غيبة الإمام، الكبرى"، وعدم اعتراف "آيات الله" بالشاه حاكما عادلا. لكن بعد تطبيق ولاية الفقيه، بقيادة الإمام الخميني، أصبح هو نائب الإمام، وله كامل الصلاحية لإقامة شعيرة صلاة الجمعة، وتعيين من يقوم بها، في مختلف المدن. كما كان حكم الشاه أقرب للعلمانية، ولم يكن منبر المسجد في عهده أداة سياسية، كما أصبحت في عهد الخميني، حيث تحولت إلى"تجمع تعبدي سياسي" أسبوعي. وباتت الخطب تُستخدم كمنصة مركزية لإعلان مواقف الدولة الرسمية، وتوجيه الرأي العام، واستعراض القوة والتعبئة الجماهيرية، ولعبت دورا تعبويا هاما خلال حرب الثمان سنوات مع العراق.
من ناحية أخرى لا تعترف السلطات، في طهران بالذات، بوجود أية مساجد رسمية مستقلة، ومعترف بها، لأهل السنة، بالرغم من وجود مئات الآلاف من السنة فيها، من إيرانيين وفرس وغيرهم. وترفض السلطات، منذ عقود، إعطاء أية تراخيص لبناء مساجد خاصة بهم، على الرغم من وجود مراكز عبادة أقليات دينية أخرى، كالسيخ واليهود والمسيحيين والزرادشتية. لذا يُصلي أهل السنة في بيوت أو أماكن مستأجرة، أو مصلّيات، مع وجود قيود مشددة على إقامة صلاتي الجمعة والعيد في تلك المصليات، وفي المناسبات الأخرى.
تبرر السلطات الإيرانية موقفها بأنه "لاتوجد تفرقة بين المساجد"، وأن القائم منها هي للجميع، وليست حكراً على أصحاب مذهب محدد، وبالتالي يمكن لأهل السنة الصلاة في أي مسجد شيعي قائم. وهذا عذر مقبول، وأمر جميل، لو أن السلطات الإيرانية، مثلا، شجعت أو تشجع بدورها "شيعة العالم" على الصلاة في مساجد السنة، في أي بلد كانوا!!
كما تتعذر السلطات الإيرانية، بأن هناك عشرات آلاف المساجد لأهل السنة في المحافظات والمناطق ذات الأغلبية السنية، مثل سيستان وبلوشستان، كردستان، وأذربيجان الغربية، وهرمزغان. لكنها ترى إن الوضع في العاصمة طهران، مختلف، حيث لا حاجة لبناء مساجد لكل طائفة فيها، تفادياً لإثارة الحساسيات المذهبية (!!).
أحمد الصراف

الارشيف

Back to Top