نحن وإيران.. والآخرون
منذ ثمانينيات القرن الماضي، وأنا متوجس خيفة من النظام الإيراني، الذي أسعدني ربما لساعات، بعد نجاحه في القضاء على نظام الطاغية الشاه، «شرطي الخليج»، وبعد وعد قائد الثورة، السيد «الخميني»، بأنه سيعود قريبا لمدينته المفضلة «قم» بعد الانتهاء من بعض الأمور.
لكن ما أن أعلن نيته جعل إيران «جمهورية إسلامية»، و«استغرابه» من تخوف البعض لما يدعو له، متجاهلا تماما ما تحمله التسمية من تناقض خطير، حتى تلاشت السعادة، وحلت الشكوك مكانها، وهذا ما عبرت عنه تاليا في عشرات المقالات، وكادت إحداها أن تتسبب في سجني في قضية «أمن دولة»، بعد أن قامت السفارة الإيرانية، بطلب من خارجيتها، بمقاضاتي، لما أبديته من رأي في مرشدها.
* * *
لأسباب أصبحت أكثر من معروفة، تعلّقت بموقف إيران الرافض للتحكيم في الخلاف الدائر حول الجزر الإماراتية. ولقيامها بمد نفوذها السياسي والعقائدي والعسكري لأربع دول عربية، وللتأثيرات السلبية التي عانينا منها في الخليج، وموقفها غير المنطقي من حقل الدرة، والتعديات الحدودية المتكررة لبعض «الميليشيات العراقية»، المحسوبة في الغالب عليها، كان من الطبيعي زيادة جرعة التوجس منها، خاصة بعد تمام انشغالها بالخارج على حساب رفاهية شعبها، بالرغم من أنها الدولة الوحيدة في العالم، بخلاف الولايات المتحدة، التي تمتلك «كل ما تحلم به أية حكومة بامتلاكه»، التي يمكن أن تجعل إيران جنة على الأرض، لكن ربما كان انشغالها بالجنة الأخرى، سببا في تناسي التفكير في رفاهية شعبها، فدفعنا جميعا الثمن، غاليا، ولا نزال!
ثم جاءت الحرب «الإسرائيلية الأمريكية» عليها، والتي لحقتها الحرب «الإسرائيلية الأمريكية»، الثانية، والتي كان من الممكن أن تكون عاملا في تناسي كل إساءاتها، لنا، والتضامن، أو على الأقل التعاطف معها في وجه الهيمنة والغطرسة الصهيونية القادمة، التي لم تخف أطماعها التوسعية، في أراضينا وثرواتنا، لكن ما حدث كان عكس ذلك تماما، بعد ان انهمر عدد كبير من صواريخها ودروناتها على أهداف مدنية، وعلى بيوتنا، دون ذنب جنيناه!
إيران لم تكن يوما بحاجة للسيطرة على أربع دول عربية ضعيفة، أو على ميليشيات فيها، لأن سوء أوضاع تلك القوى كان يشكل عبئا ماديا وسياسيا وأخلاقيا عليها، وكانت في غنى عنه. ولو تحجج البعض بأن حربها، أو عداءها لإسرائيل، كان يدفعها للبحث عن حلفاء يقفون معها، فهذا يمكن تقبله، لو كانت تلك الدول، أو الميليشيات، عونا وليست مسؤولية مالية ضخمة لا تشبع، ومن يحابِ أو يناصر من أجل المال، تتوقف مناصرته مع توقف المال. علما بأن معاداة إسرائيل أو الإصرار على الصراع معها لا يمكن أن يتحقق فقط بكسب حلفاء يشكلون طوقا على تلك الدولة، على افتراض أنهم كانوا بالفعل بتلك القوة، بل تسبقها بكثير تقوية الجبهة الداخلية، القضية الأهم والأخطر والأكثر صعوبة من كسب حلفاء حفاة، في الغالب، بالمعنى المجازي.
معركة إيران مع إسرائيل، بدأت غالبا مع تسليم مفاتيح السفارة الإسرائيلية في طهران لمنظمة التحرير مقرا لسفارتها! بدا واضحا حينها أنها ستكون شوكة في خاصرة إسرائيل. ومنذ يومها، وعلى مدى أكثر من أربعين عاما والقيادة الصهيونية تسعى لإقناع كل رئيس أمريكي، بالوقوف معها للتخلص من نظام رجال الدين في طهران، إلى أن «حظيت» بمن يحقق مطالبها. أثناء ذلك لم تقم «أي من دول الضد» بعمل شيء ليوم المعركة، وكانت لإسرائيل خططها وبرامجها وتحضيراتها، وبالتالي نجحت في إنهاك وإضعاف الدول العدوة لها، الواحدة بعد الأخرى، فهي لا تريد أية دولة قوية حولها، سواء كانت عقائدية أو دكتاتورية. ولا تريد حولها شعوبا متعلمة ولا حتى اقتصادات متقدمة، ونجحت بالفعل في تحقيق أهدافها، وبالتالي كان عليها القضاء على النظام «المشاكس»، في طهران.
الانتصار على إسرائيل، اليوم، كما كان دائما، يتطلب التحضير له في الداخل قبل الخارج. ربما كان لدينا «يوما»الوقت للقيام بذلك، ولكن يبدو أن غالبية أو كل المعادين لها فقدوا تلك الميزة. فبمقارنة أوضاع بعض دولنا بها نجد أن الفساد الإداري والسياسي والعسكري، أضعف بعض أنظمتنا العربية. كما ان نسبة ونوعية التعليم لدينا أقل منها بمراحل. ونسبة المعدمين والفقراء والأميين بيننا أكثر منها بمراحل. ونسبة من يتوقون للهرب من دولنا، في ازدياد مستمر. وعدد من قتل في شوارع بعض مدننا، برصاص جنودها، ربما أكثر مما قتل بيد غيرهم! وأخيرا، وليس آخرا، فإن عدد من على استعداد لخيانة وطنه (!!) يفوق «بشكل غريب»، ما نجده لدى «الكيان»، والذي فشلت الدول المعادية له في تجنيد عملاء فيه، وربما يعود سبب ذلك للشعور بالانتماء.
اقرأوا بعض بنود الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وستعرفون لِمَ نحن بهذا الضعف.
ملاحظة: كُتب هذا المقال قبل 40 ساعة، حسب متطلبات النشر في رمضان، أي قبل اعتذار رئيس إيران عن استهداف دول الخليج، وتعهده بوقف العدوان علينا.
أحمد الصراف





