المفتري وطفل أسيوط

ولمّا رأيتُ الجهلَ في الناس فاشيا تجاهلتُ حتى قيـل إني جـاهـلُ فَوا عجبا كم يدّعي الفضلَ ناقـصُ ووا أسفا كم يُظهر النقصَ فاضلُ أبو العلاء المعري

***

عندما يعمي التعصب بصر وبصيرة الإنسان، ويكون أصلاً صاحب فكر متخلف، فإنه غالبا لا يرى إلا ما يتفق مع تصوراته، وبالتالي نجده يرفض الحقائق العلمية، ويستمر في تفسير الظواهر الطبيعية وغيرها، من منظوره، إلى أن يتلقى «الصفعة» ليكتشف، إن كان لديه ما يكفي من الذكاء، خطأ معتقداته وسقيم تصوراته، وكيف أن العالم ليس محصوراً ضمن إطار فهمه بل هو أوسع من ذلك بكثير. ينظر هؤلاء الجهلة، والمتشددون دينياً في الغالب، للمثليين من باب الأخلاق، أو ما يعتقدون أنه أخلاق، كالزنى واللواط والسحاق، غير مدركين أن هؤلاء بشرٍ مثلنا، ولكنهم ولدوا إما ذكورا في أجساد إناث، أو العكس، أو الإثنين في جسد واحد، ونسبتهم ليست قليلة، كما يتصور البعض، ولا علاقة لوضعهم الجسدي بالأخلاق.

***

ورد في صحيفة «الراي»، 22/‏5، خبر تعلق بحالة طبية نادرة حيث أعلن مستشفى صحة الطفل في جامعة أسيوط بمصر، عن ولادة طفل بـ «عضوين ذكريين وخصيتين»، ومن دون «فتحة الشرج»! وحيث ان ذلك يعتبر عيبا خلقيا فقد قرر الأطباء إجراء عملية جراحية سريعة للرضيع لمساعدته في الإخراج، على أن يتم التعامل مع عيوبه الأخرى تاليا، كما حدث في حالات مشابهة. الخبر بحد ذاته ليس غريبا، ويعود تاريخ مثل هذه الأمور للبدايات الأولى للجنس البشري، لكن تقاليد بعض أصحاب العقول البالية، التي تسمى بالمحافظة، تنكر وجودها، وتهدد من يتحدث عنها، وتصفه بالشاذ جنسياً، في محاولة لردع أي كان من التطرق لها، فيقوم المبتلون أو المصابون بهذا النوع من الاختلاف الخلقي، أو أهاليهم بالتستر عليهم، ولا يعني ذلك عدم وجودهم. فإذا كان هناك طفل يولد بعضوين ذكريين، فمعنى ذلك أن هناك من يولد بعضوين جنسيين مختلفين، ذكر وانثى، أو يولد صبيا ولكن لديه مظاهر وعلامات الانثى، أو العكس، وهذا ما يدفع البعض أحيانا، بصورة طبيعية للميل لنفس جنسه، أو مثلي الجنس، أو الذين يحتاجون لعملية جراحية لتغيير جنسهم، وهذه حقائق طبية يسهل على «الجاهل» فقط إنكار وجودها، ويستسهل السخرية منها ومن المدافع عنها، غير مدرك أن هؤلاء بشر، وقد يكونون، خلقا وتصرفا، أفضل من الذي تهجم عليهم. إن من ينكر وجود هؤلاء بيننا، وحقهم في الحياة الكريمة، هم نفس الذين سبق أن أنكروا كل العلوم والمعارف الحديثة، وهم نفس الشرذمة التي طالما حذرت من التطعيم ضد شلل الأطفال بحجة اضراره، فكانت النتائج كارثية على أسر كثيرة. نعود لموضوع طفل أسيوط ونسأل ذلك المتخلف الذي سخر من تعاطفنا مع أصحاب هذه الفئة عن رأيه في مشكلة هذا الطفل؟ هل يقترح نبذه وتركه لمصيره، أو إجراء الجراحة الطبية له؟ فإن كان يفضل تركه لمصيره، فسنعرف أن الصفات التي أطلقناها عليه صحيحة. volume 0% وإن اختار الحل الجراحي فسنصفه بالمنافق والمفتري، لأنه سمح بها لطفل رضيع، ورفضها لبالغ او بالغة، لم تسمح ظروفهما الاجتماعية أو المادية إجراء العملية المطلوبة. إيماني بحقوق الإنسان يحتم علي تحمل سخيف انتقادات البعض، والاستمرار في مناصرة المظلومين في مجتمعاتنا، وبعضهم كانوا من ضحايا من تعرض لنا بالانتقاد.

أحمد الصراف

a.alsarraf@alqabas.com.kw

الارشيف

Back to Top