عبدالله وطلال مقارنة بـ«لولوة»!

جميعنا نتأثر، بدرجة أو بأخرى، بآراء الغير، سواء جاءت الآراء مباشرة ممن نعرف، أو من خلال وسائل الإعلام. وإن كان التأثير مقصودا فإنه يسمى «غسل دماغ»، ومن أقوى أنواعه ذلك الذي يتم ببطء وخفية من دون ان يشعر به المتلقي. فكل ما نشاهده من خلال شاشة التلفزيون مثلا يؤثر فينا، سلبا أو إيجابا. كان التدخين في أفلام الستينات والسبعينات، ووجود بارات داخل البيوت، واستخدام كلمات في وصف غير البيض، وشبه تحريم التطرق للمثليين أمورا شائعة، وتأثر بها الكثيرون. ومع الوقت اختفت تلك المشاهد وحلت محلها أخرى تدعو الى عكسها، وهذا نوع من غسل الدماغ، الذي قد يكون إيجابيا. ولكن غالبية عمليات غسل الدماغ الجماعية سلبية. بينت دراسة أجرتها جامعة «هارفارد» أن المتابعين لنشرات الأخبار يعتقدون أن الإجرام، في أميركا وفي العالم، قد زاد عن قبل، وان العالم أصبح أقل أمانا من قبل. وان الحروب زادت أعدادها وضحاياها. ولكن بجردة إحصائية سنكتشف أن الحقيقة عكس ذلك. والسؤال: لماذا تسعى وسائل الإعلام، أو الميديا، الى أن تجعل الأمور تبدو بهذا السوء، وتسعى الى التركيز على السيئ من الأخبار؟ تقول الدراسات إن وظيفة العقل البشري الأساسية تكمن في المحافظة على حياتنا. فلو مشينا على حافة جرف وامامنا منظر خيالي في جماله، فإن عقلنا يمنعنا من الاستمتاع به لأنه يسعى الى حمايتنا من السقوط، والتحذير من الزلات. وعند سماعنا لخبر سيئ او خطير فإن غريزة البقاء فينا تدفعنا الى أن نتابع الخبر، ونبحث عن المزيد عنه، ومع الوقت يصبح المخ مدمنا على متابعة السلبي من الأخبار، وهذا يعني للقناة مشاهدين أكثر، ودخلا إعلانيا أعلى. أما كيف يمكن التقليل من تعرضنا لعملية غسل الدماغ فيكون بالتقليل من سيطرة الميديا علينا، ومحاولة تغذية عقولنا بأنفسنا من خلال التوقف أو التقليل من متابعة الاخبار على التلفزيون، والاستعاضة عن ذلك بقراءة المزيد من الكتب، ومشاهدة المزيد من المواد التلفزيونية المنشطة للذهن كالأفلام الجيدة والعلمية والتاريخية.

***

يبدو ان العزيزين، طلال وعبدالله، يعلمان جيدا بهذا الأمر، وبالتالي نجدهما ـ والكثير غيرهما ـ يركزان على الأمور الخطيرة في أحاديثهما، ويحذران من وقوع حروب عظمى، وانهيار أسواق المال في العالم، وحدوث مجاعة، واقتراح ما لا يقبله العقل لمستمعيهما، وغالبيتهم من متواضعي الفهم، الذين لا قدرة ولا رغبة لديهم للدخول في جدال أو البحث عن حقيقة ما يستمعون له. فقد سخر أحدهم من كارثة 11 سبتمبر ووصفها بالـ«صلطة» مقارنة بما كان يجب أن يحدث من قيام فلسطيني بالتسلل لأميركا، من خلال الأنفاق الكثيرة التي تربط المكسيك بها، وخطف طائرة وتوجيهها فوق مدينة كبيرة كـ«لوس أنجلوس» ونثر ما يحمله من سموم قاتلة فوقها، والتسبب في قتل مئات الآلاف مقارنة بالثلاثة آلاف قتيل الذين سقطوا في سبتمبر 2001! مثل هذا الكلام يشد الكثير من المستمعين من أصحاب النفوس التي حطمتها الهزائم على مدى عقود، فرأوا في ذلك الوصف العنيف في تطرفه شيئا يدغدغ مشاعرهم ويدفعهم للنشوة ومتابعة ذلك الخطيب. ويبدو أن طلال وعبدالله يعرفان جيدا كيف يصوغان الخبر المثير، بناء على هذه القاعدة، بصرف النظر عن مدى صحته أو بعده عن الحقيقة. من جانب آخر، استمتعت واستفدت من متابعة حلقات «الصندوق الأسود»، للمبدع عمار تقي مع السيدة الكبيرة لولوة القطامي، وشعرت بالأسى وأنا أقارن بين منطقها الواضح والجميل وكلماتها الصادرة من قلب محب، وقصصها التاريخية الصادقة، ومواقفها البطولية ضد قوى الجهل والتخلف، مقارنة بمقابلات سابقة امتلأت بكم غير معقول من الكلام الفارغ، والمناصر لقوى الظلام، ومع هذا نالت نسبة مشاهدين أكبر بكثير.

أحمد الصراف

a.alsarraf@alqabas.com.kw

الارشيف

Back to Top