كارمينا بورانا ومجنون ليلى

أستمتع أحيانا بالكتابة والموسيقى الكلاسيكية تصدح في الخلفية. ومرات أرفع صوت الجهاز وأتمشى، تجنبا للجلوس طويلا. أثناء إجازتي الأخيرة في تركيا، انتبهت إلى أن أكبر احفادي يهز رأسه ويحرك يديه تجاوبا مع ما كان يصدر من جهاز الكمبيوتر من موسيقى. عدت للجهاز لمعرفة القطعة الموسيقية التي دفعت ذلك الطفل، الذي لم يبلغ الثانية من عمره للانسجام معها، فإذا هي مغناة «كارمينا بورانا» carmina burana للموسيقار الألماني العالمي كارل أورف. بالبحث في تاريخ المقطوعة تبين أن أحد المهتمين بالتراث عثر على مخطوطات أشعار قديمة تعود لما قبل سبعمئة سنة، تتضمن 250 قصيدة لكاتب مجهول. وقام عام 1934 بالتعاون مع الموسيقار كارل في اختيار كلمات بعضها ووضع لحن يتناغم مع كلماتها، التي تضمنت الكثير من الإثارة والخوف والشهوانية وعن القدر الذي يضرب الرجل القوي، والعذرية التي تجعل المرأة لعوبا والإقبال على مباهج الحياة، والاندفاع في الشهوات. توفي كارل أورف عام 1982 ولكن مغناته الأوبرالية بقيت حية. يستغرق أداء الأوبرا قرابة الساعة، وتتكون فرقة العزف من مئة عازف، وعدد المغنين 250، بينهم 50 طفلا بأصوات سوبرانو، نسائية، وتينور، رجالية. تتميز كارمينا بورانا بشعبيتها لبساطة نغماتها وقوتها، على خلاف معظم أعمال القرن العشرين، حيث يجري التجاوب مع موسيقاها بتلقائية، وهذا ما لاحظته على حفيدي، مع كل كلماتها التي لا أنا ولا هو فهمها، قبل أن أطلع على ترجمة نصها على الإنترنت. تعتبر هذه المغناة خير دليل على أن الموسيقى الكلاسيكية غير مضجرة، بل يمكن أن تكون ممتعة إلى حد كبير، متى ما اعتادت الأذن عليها! من جهة أخرى، تعاني موسيقى كل الشعوب غير الأوروبية تقريبا من فقر واضح في فن الأوبرا. وكانت محاولة الشاعر أحمد شوقي في أوبريت «مجنون ليلى» جديرة بالتقدير، ولكنها لم ولن ترقى للعالمية، مع هذا لا أزال اطرب كثيرا لسماعها. وضع محمد عبدالوهاب ألحان الأوبريت وغناها مع أسمهان في أواخر الثلاثينات، أي في فترة مقاربة للفترة التي كُتبت بها «كارمينا بورانا». يتكون الأوبريت من جزء يظهر فيه والد ليلى متسائلا: من الهاتف الداعي؟ أقيس أرى؟ ماذا وقوفك والفتيان قد ساروا؟ فيرد قيس بصوت عاشق مكلوم: ما كنت يا عم فيهم! فيرد العم: أين كنت إذن؟ فيرد قيس: في الدار حتى خلت من نارنا الدار. فينادي العم ابنته ليلى، فتأتي متسائلة: ما وراء أبي؟ الأب: هذا ابن عمك ما في بيتهم نار. فتصدح ليلى: قيس ابن عمي عندنا يا مرحبا يا مرحبا. فيرد هذا قائلا: متعت ليلى بالحياة وبلغت الأربا. بالروح ليلى قضت لي حاجة عرضت ما ضرها لو قضت للقلب حاجات؟ كم جئت ليلى بأسباب ملفقة ما كان أكثر أسبابي وعلاتي. ليلى: جمعتنا فأحسنت ساعة تفضل العمر قيس: أتجدين؟ ليلى: ما فؤادي حديد ولا حجر. لك قلب فسله يا قيس ينبئك بالخبر، قد تحملت في الهوى فوق ما يحمل البشر! قيس: لست ليلاي داريا كيف أشكو وأنفجر، أشرح الشوق كله أم من الشوق أختصر؟ ليلى: نبني قيس ما الذي لك في البيد من وطر؟ لك فيها قصائد جاوزتها إلى الحضر. أترى قد سلوتنا وعشقت المها الأخر. قيس: غرت ليلى من المها والمها منك لم تغر، لست كالغيد لا ولا قمر البيد كالقمر ليلى: ويح عيني ما أرى! ولكن قيس غير آبه إلا لما كان فيه من نجوى فيستمر في غنائه: رب فجر سألته هل تنفست في السحر ورياح حسبتها جررت ذيلك العطر وغزال جفونه سرقت عينك الحور. هنا يتدخل العم ويطرد قيس قائلا جملته الشهيرة: امض قيس امض جئت تطلب نارا أم ترى جئت تشعل البيت نارا؟ فينصرف قيس وهو يشدو: سجا الليل حتى هاج لي... إلى آخر القصيدة أو الأوبريت الرائعة التي تستحق بالفعل أن نستمع لها بين فترة وأخرى!

أحمد الصراف 



الارشيف

Back to Top