ماذا قال د. صبّوح؟

هذا مقال مقتبس من آخر للدكتور السوري كمال صبوح نُشر في 28 سبتمبر الماضي، وهذا تكويت له:
وحدهم فاقدو البصر لم يشاهدوا كيف كانت الجوامع وكراً للإرهابيين، وكيف كانت المآذن مكاناً للقنص. وحدهم فاقدو السمع لم يسمعوا الشعارات الطائفية منذ اليوم الأول. وحدهم المجانين الذين يعتقدون حتى اليوم بأن الإسلام هو الحل، ولا يدركون أن الكثيرين من شيوخه هم لبّ المشكلة، وأن كل شعوب العالم تعتقد بصحة ما تتبع من عقائد دينية، ومع هذا لا تقتل من يعارضها.
بعد كل الذي حصل، وكل المعاناة والأهوال التي رأيناها من المتشددين، اعتقدنا بأن الحكومات ستتجه نحو العلمانية، ولكننا قطاراتها تقاد من وزارات الأوقاف وبسرعة جنونية نحو كهوف التاريخ. انتظرنا من الدولة أن تضع حدّاً لبعض «الرموز الدينية»، فرأيناها تملأ بهم الفضائيات. انتظرنا من الدولة أن تحجّم وزارة الأوقاف، لأنّ تلامذتها وطلابها وخريجيها هم أول من تحرّك ضدها، فوجدنا الأوقاف تغتصب المجالس، وتسيطر على وزارات وتفتك بمستقبل أبنائنا. هؤلاء يتم تحجيمهم حالياً في دول عربية كبرى، ولكنهم يسرحون ويمرحون حولنا.
توقّعنا من الحكومات أن تحد من توسّع المدارس الشرعية، ولكن عددها يتضاعف وطلابها يتقاضون الرواتب وخريجيها لهم الأولوية في التعيين، وأصبحوا يملأون فضاء المحاماة وما هم بدارسي حقوق. كما أصبحت الأوقاف، من دون مبالغة، دولة داخل دولة، فلها جيش من الموظفين والدعاة وتسيطر على مصير عشرات آلاف المنتمين لها، وهي المرجعية في كل ما ينشر، وليس وزارة الإعلام. ولو نظرنا الى قلعتها الجديدة على الدائري الرابع، لعلمنا مدى تشعّب أعمالها وقوة بأسها وكبر ميزانياتها. كما أن نفوذ المسؤولين عنها وصل، منذ عقود، إلى الكتب المدرسية، والمقررات، ولكثير من الأمور السياسية.
ألا يحق لعقولنا أن ترتاح من كل هذه الجرعة الدينية ولا تتأثر بهذا الفيض السلبي من الدعوة حتى تلك التي تدعو إلى الابتعاد عن المعارف والعلوم والتكنولوجيا الحديثة التي تحيط بنا؟ وهل يتوجّب على عقولنا أن تبقى رهينة وهي تنصت الى الأحاديث التي طالما كانت صالحة لكل زمان، ولا يسمح لنا بأن نتساءل لماذا لم يأخذ منها الآخرون، وبالذات الغرب، شيئاً؟ لماذا نُصرّ على وضع الحصان لفلاحة الأرض، وهو أكثر صلاحية للسباق؟ لماذا لا ننظر إلى تجارب دول كانت قبل مئة عام أو نصفها في القاع، أو لم تكن موجودة حتى، كسنغافورة، ومع الوقت أصبحت، بفضل تبنيها للعلوم والتكنولوجيا الغربية، من أفضل دول العالم، ليس فقط في تقدمها العلمي وإنتاجها البشري وخدمتها للإنسانية، بل حتى في مجال الأخلاق، بحيث أصبحت مثالاً عالياً للاستقامة وللاقتداء بها، خاصة في الدول الأكثر علمانية في العالم، كالدول الإسكندنافية، واليابان؟!

أحمد الصراف

الارشيف

Back to Top