العازمي الجميل والعازمي الرائع

دخلت البيت الكبير، حيث صالون الموسيقى، كما اعتدنا أن نلتقي مساء كل أربعاء، وما أن خطوت إلى الداخل الرحب حتى تناهت إلى مسامعي أنغام معزوفة معروفة لشوبان العظيم، وتخيلت عازفاً أوروبيا يجلس خلف البيانو، يطرب الحضور بعزفه، لكنني فوجئت بشاب كويتي يضع الغترة والعقال على رأسه منكباً، بكامل حواسه، على لوحة مفاتيح البيانو وأصابعه تنتقل بينها في عزف رائع، وكان موقفاً يأخذ الألباب غير قابل للشرح والفهم بسهولة لخروجه عن النمطية أو سياق الأمور التي حصرنا أنفسنا فيها، فالعازف البارع لم يكن إلا عازمياً جميلاً وقع في غرام فنان عالمي قلَّ نظيره، فدفعه ذلك الحب لأن يقضي سنوات طويلة من عمره اليافع لدراسة وإجادة عزف مقطوعات ذلك العبقري دون أن يتخلى عن لحيته الصغير، (السكسوكة)، أو يسمح لها بأن تعيقه معنوياً ونفسياً، وهي التي ربما تصر على أن شده لجذوره بقدر ما ينقله حبه لشوبان لآفاق بعيدة عنها، وعن جفاف بيئتنا وشح ألوانها وألحانها.
فيصل البحيري، اسم فنان وعازف بيانو غير عادي نجح، بالرغم من كل مصاعب الحياة، في أن يخترق حاجز البيئة والتقاليد ويشق لنفسه طريقا مختلفا ومميزا، وسنسمع به قريبا وعنه كثيرا مستقبلا، فأمثاله قلة، ومن هم من خلفيته قلة أقل، وهذا ما يجعله أكثر تميزا. وظاهرة البحيري تثبت أن ليس هناك حدود لقابليات الإنسان للتعلم وتغيير نمطية الحياة لشيء أحلى.
أما العازمي الرائع الآخر، فقد سمعنا باسمه لأول مرة، عندما كنا في جمع صغير، خلال إعلان التشكيلة الحكومية الجديدة عندما عين وزيرا للتربية والتعليم العالي. بدا واضحا، من غياب تعليقات الاستنكار والاستحسان من الحضور، أن لا أحد منهم سبق أن سمع به، دع عنك معرفته، وبعد بضع اتصالات هاتفية تبين أنه ابن التربية، ووكيل التعليم العالي.
ما اقدم عليه هذا الوزير الرائع بعدها عندما قام بحركة مفاجئة للدولة برمتها بإصدار قرار غير مسبوق وشجاع أوقف فيه «تسونامي» الغش ومنظمته المتجذرة، ولأول مرة في تاريخ الكويت. وبين في لحظات حجم الفساد والتردي الأخلاقي والتعليمي الذي كنا فيه، والذي كنا نعلم شيئا عنه، ولكن لم يتصور أحد أنه بهذا الحجم وبكل ذلك الانتشار، لدرجة أصبح الغش هو القاعدة، وأمرا مقبولا أن نجد من أنهى دراسته المتوسطة، وهو لا يعرف القراءة والكتابة.
حامد العازمي أحدث حركة انقلابية غير متوقعة، ويجب أن تستمر بكامل زخمها، فقد ضججنا حقاً من حالة الفساد التي أصبحنا غرقى في بحرها، ويجب أن يستمر موقفه الصلب، وينهي سطوة وسيطرة جمعية المعلمين التي كانت مواقفها متعاطفة إلى حد ما مع مواقف الغشاشين الذين حرموا من تكملة الامتحانات، وربما كانت الجمعية نفسها وراء حركة الاحتجاجات التي تلت قرار الوزير المتعلق بنقل أطقم مراقبة الامتحانات من منطقة لأخرى.
تحية لك يا معالي الوزير حامد العازمي، ونحن بأمسِّ الحاجة للكثيرين من أمثالك ليُوقفوا سقوط قطار التعليم في الهاوية.
لقد تخلفنا مع تخلف التعليم، و«لن» ننهض بغير التخلص من إرثه ورجاله ونسائه في الوزارة.. وخارجها.

أحمد الصراف

زوار الموقع
الارشيف

Back to Top