طفلة للبيع

أوردت «الجريدة» الكويتية، على صفحتها الأولى في 3/9، نسخة عن تقرير سري يتعلق بالأوضاع المأساوية في دور الحضانة العائلية، التي تشرف عليها وزارة الشؤون، وكيف أن السلوكيات في تلك الدور وصلت الى الحضيض، إن من خلال ما يرتكب فيها - كما يتردد إعلامياً - من أفعال «إجرامية» كتعاطي المخدرات والمسكرات وحيازة الأسلحة، او بتصرفات بعض النزلاء وممارساتهم الغريبة! وحدد التقرير أماكن وقوع تلك الجرائم ونوعيتها، وحذر من انفجار متوقع بسبب تزايد وتيرتها، مع استمرار حالات الوفاة بين نزلاء الدار نتيجة الأوضاع غير السوية للبعض منهم.

ما لا تعرفه الغالبية هو أن نزلاء هذه الدور هم غالبا من مجهولي الاب أو الوالدين، وما يتعرضون له من إجرام، أو ما يقدمون عليه من فعل إجرامي هو نتيجة حتمية لتجاهل المجتمع لهم، وفشلنا في مواجهة الحقيقة المتعلقة بعجزنا عن حل مشكلتهم، ومشاكل من سيأتي بعدهم، بسبب رفضنا الاعتراف بوجود «لقطاء» في مجتمعنا، علما بأنه لو نشر ما يرتكب ضمن بعض جدران بيوت هذا المجتمع لأدى ذلك الى أسى كبير. مما يجعل مأساة هؤلاء جديرة بالاهتمام هو ذلك التبدل الذي حصل في المجتمع في العقود الثلاثة أو الأربعة الماضية، وما أحدثته من تخريب في كيانه وسلخ في اوصاله، فمشكلة اللقطاء في الكويت أزلية، وكان يتم استيعاب نتائجها بهدوء من خلال قيام الأسر الموسرة، أو التي لا أطفال لديها، على تبني هؤلاء ومنحهم كامل حقوقهم، وكثير من هؤلاء اللقطاء يعيشون اليوم بيننا، كرجال ونساء شرفاء فعالين في المجتمع، وغالبيتهم لا تعرف شيئا عن سابق ماضيها، أو لا يهمها ان تعرف! ولكن جحافل التخلف خربت على تلك العادة وأغلقت باب التبني، تاركة ثغرات صغيرة فيه، لا تسمح إلا لأفراد معدودين كل عام بالتبني، ولكنه عدد لا يتناسب أبدا مع الزيادة «العادية» في أعداد هؤلاء. والمشكلة لا تكمن في وزارة الشؤون بقدر ما تكمن في ندرة المشرعين الشجعان، القادرين على التصدي للقضايا الخلافية، من أمثال أولئك الذين سبق وأن أقروا مثلا «قانون الوصية الواجبة»، وهو القانون الإنساني بامتياز، والمخالف في جانب منه لبعض النصوص، وإصدار قانون مماثل بقوته يفتح الباب أمام المجتمع لتبني هؤلاء بطريقة إنسانية وعصرية، بدلا من ترك مصيرهم لموظفين حكوميين مقيدين بجملة قوانين غير إنسانية. وإلى أن يأتي ذلك اليوم فإن بإمكان وزارة الشؤون، بوزيرتها المستنيرة، ووكيلها الإنسان، تخفيف شروط طلبات التبني، فالتصدي لما يحدث في هذه الدور من جرائم ليس حلا، فمجرمو اليوم في هذه الدور هم الذين رفضنا طلبات تبنيهم قبل عشرين عاما!

الارشيف

Back to Top