كيف تتبلد الأحاسيس؟

تعتبر الفنون العظيمة كالموسيقى والغناء والرقص والرسم والنحت والتشكيل والتصوير من الاعمال التي ساهمت على مدى قرون في تهذيب ذوق الإنسان ورفعه الى مستويات عالية، وهي التي لا يمكن ان تخلو منها أو تستقيم بغيرها حضارة ما.
لأسباب تتعلق بالفكر الديني لم يكن لهذه الفنون دور كبير في البلاد ذات الأكثرية الإسلامية.
ولولا الحضارة السابقة، او تلك التي أوجدت أو خلقت في بعض بلاد المسلمين لعوامل محددة تتعلق بالبيئة، لما كان للفنون دور كبير في حياتنا الآن وحياة أسلافنا، علما بأن الكثير من هذه الفنون، ان لم يكن جميعها، عدا فن الخط، تعتبر، حتى اليوم، محرمةِ ولولا التلفزيون والفيديو اللذين اقتحما قسرا اسوار الكثير من البيوت 'المحافظة' منذ ربع قرن فقط، او اقل من ذلك، لما سمع الكثيرون، من عرب الجزيرة وبواديها، بغالبية هذه الفنون العظيمة.
وربما يعود سبب الجفاف في علاقاتنا والخشونة والفظاظة في طريقة حديثنا مع الغير، على المستويين الشخصي العام او العائلي، الى شبه انعدام هذه الفنون بينناِ فالبيئة الفقيرة في ألوانها وأصواتها وأشكالها لا يمكن الا ان تخرج بشرا يقاربونها في جفافها!
لقد كانت الكويت في بداية نشأتها الحديثة وحتى منتصف السبعينات من القرن الماضي دولة غنية الى درجة كبيرة بإمكاناتها وانشطتها الفنية الراقية، على الرغم من افتقادها مختلف ادوات الخلق والابداع وتخلفها العامِ فالمسرح كان يوما رائدا، وفن النحت كان بارزا، كما كان الرسم متألقا، وكانت موسيقى علي زكريا وأحمد باقر وعوض الدوخي واحمد الزنجباري تسمع وتطلب في كل ركن من اركان الخليج، كما كانت اصوات مطربي الكويت ومطرباتها تصدح في المسارح وصالات الاحتفالات الرسمية والشعبية وتسمع في مختلف دول الجزيرة والخليجِِ ثم جاء الجراد وقضى على كل شيء تقريبا بعد ان سيطرت قوى التخلف على مقدرات الكثير من المؤسسات، ووزارة التربية بالذات، وها نحن نرى 'المخرجات الرائعة' لتلك الفترة وكأنها الطاعون الذي يصعب التخلص منه، الى درجة ان وصلت الحال في وزارة التعليم العالي، التي من المفترض انها تدار باقتدار من قبل سيدة عصرية، الى ان ترفض، عند معادلة الشهادات الدراسية الخارجية، النظر بعين الاعتبار الى علامات الفنون التي حصل عليها طالب معادلة الشهادة، بحجة 'عدم أهميتها'، وهي الفنون نفسها التي تتكالب جامعات العالم المتقدمة على متقنيها والبارزين فيها وتمنحهم المنح الدراسية المجانيةِِ ان تصرف وزارة التعليم العالي يعني، بين امور كثيرة، ان الفنون الراقية ـ بعد مرور قرن على ابداعات خالد الفرج ونصف قرن على ابداعات أيوب حسين وعبدالحسين عبدالرضا ـ قد أصبحت 'كخه' في نظر وزارة التربية وتعليمها العالي!

الارشيف

Back to Top