طرقات مصطفى كمال

تأسست الإمبراطورية العثمانية عام 1299 وبدأ تفككها في 1908 قبل أن تنهار تماما في 1922 مع تتالي هزائمها أمام مختلف الأطراف، وتقاسم الحلفاء لأراضي الدول التي كانت تحت سيطرتها، وهنا ظهر على المسرح الضابط الشجاع في الجيش التركي، مصطفى كمال، أتاتورك تاليا، بطل معركة غاليبولي التي هزم فيها بريطانيا، ليستولي على الحكم ويؤسس لدولة جديدة تماما عام 1923 ويصبح أول رئيس جمهورية لها، ويحقق خلال 15 عاما واحدا من أندر وأعظم الانقلابات في حياة شعب، مؤسسا لدولة قومية علمانية تركية، من شبه العدم، تقريبا، ليحولها لدولة قريبة من محيطها الأوروبي، متقدمة في كل مجال، ولتصبح إنجازاته مصدر إلهام لعشرات من قادة العالم، وتجربة إصلاحية شاملة مهدت الطريق لإخراج تركيا من تراثها القديم لعالم جديد وحديث، ولتصبح الدولة الإسلامية الوحيدة القادرة على منافسة دول العالم القوية في عقر دارها، والدولة الإسلامية الوحيدة العضو في حلف الناتو، ولولا تراجعات أردوغان لأصبحت جزءا من الاتحاد الأوروبي.

قام أتاتورك، في سنوات حكمه الخمس الأولى، بأكثر إنجازاته خطورة وتأثيراً، حيث شملت:

1. إصلاحات سياسية ودستورية شاملة، قام فيها بتحديث النظام السياسي والقانوني لتركيا، معلنا تأسيس الجمهورية، بعد إلغاء المؤسسة الأثرية للدولة العثمانية، وإصدار دستور علماني وديموقراطي حديث للبلاد في عام 1924.

2. قام بإصلاحات ثقافية وتعليمية عميقة الأثر، هدفت لتحديث المجتمع وتعزيز التعليم العصري، من خلال منهج جديد كليا لكل المراحل، مانعا الخطب الدينية في المدارس. كما أجرى إصلاحات شاملة في هيكلية النظام التعليمي.

3. قام بإجراء تغييرات لغوية جذرية، وجعل اللغة التركية أكثر توافقًا مع اللغات الأوروبية، ملغيا الكتابة بالأبجدية العربية بعد أن استبدلها باللاتينية، مع إضافات طفيفة. كما بسط قواعد اللغة، وحذف منها الكثير من المفردات التي اعتبرها دخيلة عليها.

4. أدخل أتاتورك مجموعة من الإصلاحات القانونية والقضائية، وألغى القوانين التقليدية القديمة، وأقام نظاما قضائيا مدنيا جديدا، بروحية أوروبية.

5. أجرى إصلاحات اقتصادية شاملة ونفذ برنامج تحديث الاقتصاد التركي وأصدر سلسلة من القوانين الاقتصادية وشجع الصناعة والتجارة.

6. كما نفذ أتاتورك إصلاحات اجتماعية شاملة، بما في ذلك نسف كل المحاكم الشرعية، وإصدار قوانين تساوي تماما بين الجنسين، وأصلح نظام الأسرة. ومنع ارتداء الرجال والنساء لأزيائهم القديمة، مانعا ارتداء الحجاب. كما أجرى تحديثا شاملا للحياة في تركيا، ممهدا الطريق لما أصبحت عليه تركيا اليوم.
* * *
تبلغ مساحة تركيا 800 ألف كيلومتر، ويبلغ عدد سكانها 85 مليونا، ونحن لا يزيد عددنا على مليون ونصف المليون، ولا تزيد مساحة أراضينا على 18 ألف كم2، ومع هذا فشلنا، خلال السنوات الخمس الماضية، في التقدم خطوة واحدة في أي مجال، وفشلنا حتى في تعبيد بضع كيلومترات من طرق الدولة، واستمر التعليم في تدهوره القاتل منذ نصف قرن، بحيث أصبح يشكل عبئا لا يود أحد الاقتراب منه، وهذا حوله لمهمة مستحيلة، وأصبح بالتالي خارج أولويات أية حكومة.
* * *
وضعنا التعليمي والثقافي كارثي، وبالرغم من التحركات الحكومة الأخيرة الجيدة، في أكثر من اتجاه، وهذا ما يجب شكرها عليه، لكنها أقل بكثير مما هو مطلوب، وأكثر بطئا بكثير مما يجب أن يكون. الوقت ليس في مصلحتنا والتاريخ لن يرحمنا، فماذا نحن فاعلون؟

أحمد الصراف

الارشيف

Back to Top