الحمامات وأغنية مارلي

عدت قبل أيام للوطن عبر مطارات مدن خليجية، شعرت بانقباض وانا أتجول في مرافق بعضها، ليس لسوئها، ولكن لأن ما تبقى من سنوات في حياتي، لن يتيح لي رؤية ما يماثلها روعة وجمالا وراحة في وطني، خاصة أنها ليست منجزات خارقة، فهي لا تزيد على أن تكون مباني حجرية ومواد وديكورا، ولكن حتى في هذه الجزئية، التي لا تحتاج لغير المال، فشلنا بشكل مخجل، أو بالأحرى مبكٍ!
 
وطن النهار والجمال والإبداع اصبح وطن الخوف، وطن الظلام، وطن التخلف والتردد في اتخاذ القرار، وطن السرقات العلنية والمخفية، وطن خوف المتعلم من سطوة نصف المتعلم، وخوف الاثنين من صوت وسطوة ونفوذ نائب بالكاد يفك الخط!

حال وصولي إلى مطارنا الدولي، دعتني الضرورة لتلبية نداء الطبيعة، وزيارة الحمامات في السرداب، وكادت دموعي تنهمر حزناً على وضعها البائس و«الكسيف»، الذي لم يتغير منذ ثلاثين عاماً، لا بل وازداد سوءاً، فقمت بالتقاط بضع صور، وأرسلتها كتغريدات تجاوب معها المئات، وانتهى الأمر!

في اليوم التالي، وفي تصرف اعتبر عنواناً للتفاهة والسخافة، خرج نائب عضو في لجنة «الظواهر السلبية» عن طوره، وأرغى وأزبد وهدد وزير البلدية بضرورة التحرك وإزالة إعلان «one love» الموجود على مدخل أحد المطاعم الأميركية، بحجة أنه يروج للمثلية!

كما كان متوقعاً في دولة نصف النهار، استجابت أجهزة الوزير ورجاله ومعداته للطلب، السخيف وغير الصحيح أصلاً، وأزالت الإعلان خلال دقائق، وغرد النائب الهمام مبشراً رعيته بأن الشعار أزيل وتم فوق ذلك تحرير مخالفة لأصحاب المطعم!

حدث كل ذلك، لأن مواطناً، وغالباً جاهلاً بمعنى العنوان الذي أزيل، صوَّر فيديو، مشيعاً أنه يحمل شعار المثلية!

الحقيقة التي لم يكترث أحد للالتفات إليها أن كلمتي one love تعود أساساً لمقدمة أغنية أميركية شهيرة للمطرب الجامايكي «بوب مارلي»، التي غناها قبل نصف قرن تقريباً، وشركة المطعم الأميركية، «المتهمة» أطلقت حملة دعائية ترويجية لمطاعمها تحمل هذا الشعار منذ عام 2005، ولا علاقة للأمر برمته بالمثلية، لا من بعيد ولا من قريب، بل بحب نوع واحد من الدجاج الذي يقدمه المطعم.

أزيل الإعلان، وبقي وضع حمامات المطار كما هو، لأنه لا أحد يهتم بتغيرات هادفة، بل بمكالمات «بايخة»! كما يبدو أنني أخطأت في إرسال صور الخراب في الحمامات دون أن أشير إليها بسهم يحمل ألوان قوس قزح نفسه!
***
إن الرِّدة التي نعيشها ما هي إلا جزء من آثار الصراع بين الدولة المدنية العصرية التي ساهمت كل القوى الوطنية في بداية الستينيات في تأسيسها، وتكريسها في دستور الدولة، وقوى الرِّدة المتمثلة في القبلية، التي تريد الإبقاء على قوتها، وفوق ذلك الاستيلاء على مقدرات الدولة لمصلحتها.

إن النصر سيكون في النهاية للمدنية، فهذا هو المآل والمسار الطبيعي لتقدم أي دولة وتطورها، ولكن ليس قبل دفع ثمن غالٍ جداً قبل أن يتحقق ذلك.

أحمد الصراف
a.alsarraf@alqabas.com.kw

الارشيف

Back to Top