التديّن الظاهر والفساد الجماعي المستتر

كانت مواجهتي الأولى مع الفساد الجماعي خلال فترة الاحتلال البشعة، عندما قمت، كرئيس للجنة الإعاشة بالرياض، بتسليم سفيرنا السيد عبدالرحمن البكر، بمناسبة انتهاء مهمتي، مستخرج كمبيوتر يحتوي على أسماء وأرقام جوازات سفر وبطاقات مدنية، كل من تسلموا مساعدات مالية من اللجنة، وبينهم 36 ألف شخص زوَّروا مختلف المستندات، وحصل كل منهم على مبالغ الإعاشة مرات عدة.
بهت السفير من ضخامة عدد من قاموا بسرقة الدولة، وهي محتلة، وسألني، بقلق واضح، إن كانت هناك نسخ من ذلك الكشف، فطمأنته بأنه الوحيد، فطلب مني أن أقسم على صحة كلامي، فرفضت ذلك، وأضفت ان عليه تصديق أو عدم تصديق كلامي، لكني ندمت تالياً لعدم الاحتفاظ بنسخة من مستخرج «السرقة الجماعية»، التي كان وراءها أغلبية من كانوا يصلون أمامي يومياً، في ملعب الملز، في الرياض، وأنا أطل عليهم من الشرفة العلوية.

مر وقت طويل على تلك الحادثة، ولا شك أن حالات سرقة وفساد جماعي أخرى مرت عليّ، لكن وهن الذاكرة دفعها للنسيان.

كما وقعت قبل سنة عملية غش جماعية أخرى، عندما قام عشرات آلاف الطلبة، وما يماثل عددهم من الآباء والأمهات والمدرسين والمراقبين، بارتكاب أكبر عملية غش، والنتيجة أن قلة من هؤلاء قبلتهم الجامعات في الخارج لضعف مستواهم. ولا شك أن نسبة كبيرة جداً من الطلبة وأولياء أمورهم كانوا ضمن المصلين، الخاشعين الصائمين.

ثم جاءت الظاهرة الأخيرة قبل أيام، عندما تغيّب آلاف الطلبة عن المدرسة، وفي المساء اصطفوا، وأولياء أمورهم، في صفوف طويلة أمام المستوصفات للحصول على عذر غياب، بسبب «المرض»! علماً بأن هؤلاء الطلبة أنفسهم، وأولياء أمورهم، كانوا في ذلك اليوم أو الذي قبله، يقفون في صفوف المصلين في المساجد، مؤدين واجباتهم الدينية، من صلوات وتراويح وقيام!

كما تبين، من مقال للزميل حمد الحمد، أن قروب الأمهات، على الواتس، الذي تكوّن للتنسيق بينهم في ما هو في مصلحة أبنائهن، أصبح الأداة التي يتم من خلالها تنسيق الغياب الجماعي من المدارس قبل العطل أو في أيام المطر أو الغبار، وغيرها!

هذه التصرفات وعشرات غيرها، التي نراها أمامنا كل يوم، كظاهرة عدم احترام الطابور أو الحفاظ على ممتلكات الدولة العامة، وغيرها، تضعنا أمام الأمور التالية:

أولاً: فشل التعليم الديني فشلا واضحا في تعليم المواطن الأخلاق، وعدم اقتناعنا بأن هذا الأمر ليس دور الدين أصلا.

ثانياً: فشل التعليم العام في ترسيخ مفهوم الأخلاق ودوره في بناء الوطن والمواطن.

ثالثاً: من الخطأ وضع اللوم بكامله على المواطنين، فهم أصلاً جزء من مجتمع متخلّف، لكن ما هو عذر حكومة يفترض انها تضم خيرة الخيرة، ومع هذا عجزت عن رؤية هذا الانهيار الأخلاقي، أو وضع حد له؟ وقبولها ربط الأخلاق بالقضايا الجنسية؟

ومن المؤسف ملاحظة تكرار عدم التفات أغلبية من تولوا مسؤولية وزارة التربية، إضافة لأغلبية النواب، إلى كل هذا الانتهاك للأخلاق على الطرقات في كل ثانية، والغياب المستمر للطلبة والموظفين عن مدارسهم وأعمالهم، بحيث أصبح عامنا الدراسي والوظيفي الأقصر في العالم، علماً بأن تاريخ التعليم المنتظم يعود لما قبل 120 عاماً.

الشق عميق، والمأساة تستفحل يومياً، والكل تقريباً منشغل بغير الأخلاق، وغالباً بتوافه الأمور!

ملاحظة: شارك 100 ألف مصلٍّ في المسجد الكبير، في تلمس ليلة القدر، وأوقف أغلبيتهم سياراتهم في المكان الخطأ!

لو رفض نصف هؤلاء مخالفة القانون، وعادوا لتلمس الليلة في بيوتهم، لما خسروا شيئاً، ولارتاح البقية، ولأصبح للأخلاق دور في حياتنا، ومعنى!

أحمد الصراف

الارشيف

Back to Top