الأمر أخطر

نجحت الكويت، وخلال نصف القرن الماضي، في ترسيخ العملية الديموقراطية ووضع اصول العمل السياسي فيهاِ كما تكونت فيها شبه احزاب تقوم بطريقة أو باخرى بالتحكم وبتسيير العملية الانتخابية وفق ضوابط معينة ستصبح مع الوقت مستقرة بعد ان يتم التوافق بشأنهاِ وقام مجلسها التشريعي في هذه الفترة، أو اقل منها بقليل، باصدار مجموعة كبيرة من القوانين المنظمة لحياة المواطنين والمقيمينِ كما ان لدى الدول قانون جزاء مر بالعديد من التعديلات والاضافات حتى استقر على وضعه المشرف الحاليِ كما انشئت في الدولة مختلف المحاكم ودرجات التقاضي وصولا الى المحكمة الدستورية مرورا بالمحكمة الاداريةِ كما ان في الدولة مجلس قضاء اعلى يعمل بشكل متواصل على ترسيخ هيبة القضاء واستقلاليته وبناء مكانة هامة له لا تقل، ان لم تزد، عن مكانة بقية السلطاتِ واستقرت في الدولة خلال هذه الفترة كذلك اعراف وقواعد عمل ومجموعة هائلة من النظم الادارية التنظيمية التي اعتاد الجميع عليها واصبحت بحكم الوقت والعرف شبيهة بالقوانين الدستورية لقوتها ووضوح حدودهاِ كما ترسخت في الدولة اعراف ونظم عمل صحفية وفرت للصحافة هامش حرية لا يمكن تجاهله، كما اصبحت الصحافة بحق سلطة رابعة يهابها الكبير قبل الصغير.
وباختصار شديد، فانه يمكن القول ان الكويت، وخلال نصف القرن الماضي، اصبحت اكثر قربا لبقية دول العالم المتقدم من ناحية نظمها وقوانينها التشريعيةِ كما يمكن اعتبارها من الدول النادرة جدا، وبالذات في العالمين العربي والاسلامي، التي يشعر فيها غير المواطن، بصرف النظر عن جنسيته او جنسه او دينه، براحة ذات بعد معقول، وبان قوانينها واضحة وتطبق الى حد كبير جدا على الجميع ودون تفرقة تذكر.
والآن، وبعد نصف قرن من العمل المستمر والجاد والمنظم الذي يهدف لوضع اسس دولة عصرية قانونية تحترم فيها حرية الفرد وكرامته، بدون تفرقة، امام الجهات القضائية على الاقل، بين لون وجنس وجنسية ودين، وتتمتع بقدر معقول جدا من حرية القول والتصرف والحركة والعمل، اقول بعد كل هذا الجهد والعمل الدؤوب يتقدم السيدان الطبطبائي والعازمي بمشروع قانون عقوبات شرعية يهدف الى نسف كل ما ذكر سابقا ووضع حرية وكرامة الناس، وخاصة من الفئات الاضعف، تحت سطوة وسيطرة مجموعة من الجهلة بالقوانين والاعراف والتشريعات التي تعودت واستقرت عليها امور الدين والدنيا لعقود طويلة.
والادهى والامر من ذلك ما صرح به السيد النائب الاول لرئيس مجلس الوزراء من ان الحكومة، وفي محاولة منها للالتفاف على مشروع القانون البائس هذا، ستقوم بتقديم مشروع قانون عقوبات شرعية حكومي بديل عنه!
وهذا يعني ان مشروع القانون المقدم للمجلس غير مقبول للحكومة بأي حال من الاحوال، وان اي تعديل او تطوير عليه سوف لن يجعله ملائما للتطبيق الفعلي وأن الامر يتطلب بالتالي تقديم مشروع قانون حكومي بديل!
ان هذا جميل وحسن ومقبولِ ولكن من حقنا هنا أن نتساءل عن الاسباب التي تجعل الحكومة مطمئنة بأن مشروع قانونها هو الذي سيرى النور في نهاية الامر وليس المشروع الآخر!
كما ان من حقنا ان نتساءل عن السبب الذي يجعلها تعتقد ان مشروع قانونها سوف لن يقصقص ويعدل ويحور بحيث يصبح في نهاية المطاف صورة مشوهة من مشروع القانون البائس، الذي لم تراع بنوده ابسط الحقوق الانسانية.
لقد كنا نعتقد بأن الحكومة 'خوافة'، كما وصفها الزميل محمد مساعد، ولكن يبدو ان الأمر اخطر من هذا وذاك!

زوار الموقع
الارشيف

Back to Top