وهنا تكمن المأساة (3/3)

ما ان انتهت مراسم العزاء الرسمية وتبين لذوي الضحايا، أو لواحد منهم بصورة أدق، ان ما حدث لم يكن قضاء وقدرا فقط، فقد قرروا بذل أقصى الجهود وتسخير كافة الإمكانات المتاحة تحت تصرفهم لتحقيق الأمور التالية، على الأقل:
جمع كافة المعلومات من وعن الشهود الذين رفضوا الشهادة أمام السلطات لسبب أو لآخر.
رفض تقرير رجال الشرطة والتحقيق بكاملهما، ومحاولة الاستدلال على بيانات المركبة التي تسببت في الحادث بصورة شخصية، والمساعدة في القبض على الجاني ومحاسبته.
نجاحهم في تحقيق هذه الأمور سيؤدي في المقام الأول الى إنقاذ نفسية قائد المركبة الذي أصبح معرضا للجنون بسبب تعذيب الضمير الذي كان يتعرض له في كل لحظة.
جعل حادث المرور هذا 'حالة للدراسة' لقوى الأمن مستقبلا بحيث لا يتم الاكتفاء بتقرير 'خبير' المرور بل يجب البحث عن كافة الأسباب التي أدت إلى وقوع الحادث، والتي قد يكون تصميم الطريق أحدها مثلا.
بدأ الامر باجتماع في جمعية السلامة لعدد من ذوي الضحايا وبعض خبراء حوادث المرور والكمبيوترِ وتدارس المجتمعون في سبل وكيفية التحرك وعلى أي مستوى، وكيفية البدء بالتحركِ وكانت الخطوة الأولى مقابلة النائب الثاني لرئيس مجلس الوزراء ووزير الداخلية الذي وعد فأوفى، ببذل أقصى جهود الوزارة للمساعدة في إحقاق الحق والقبض على الجاني الهاربِ وكانت الخطوة الثانية تتمثل في الإثبات بطريقة علمية، وعن طريق رسوم الكمبيوتر وحسابات علمية أخرى، حقيقة ما ذكره قائد المركبة من ان سرعته كانت أقل بكثير من الرقم الذي ذكر في تقرير الشرطة.
وتركزت الخطوة الثالثة على مسح المنطقة المحيطة بمكان الحادث، وسؤال كل صاحب شقة وبيت عما إذا كان قد شاهد شيئا أثار انتباها أو متعلقا بالحادث، وعما إذا كانت هناك سيارة أخرى متورطة في الحادثِ كما صاحب هذه الجهود إرسال رسالة محددة إلى آلاف حملة الهواتف النقالة تطلب منهم فيها الادلاء بأي معلومات تساعد في معرفة حقيقة ما حدثِ كما أرسلت آلاف الرسائل الأخرى 'الهاتفية القصيرة' تطلب التبرع بالدم من فئة نادرة للمصاب الفرنسي.
كانت نتائج كل ذلك مذهلة وغير متوقعة لأكثر الناس تفاؤلا:
اتفق أكثر من شاهد على ان سيارة أخرى كانت متورطة في الحادث.
ذكر أحدهم لون ونوع السيارة المشبوهة وثلاثة من أرقام لوحتها المعدنية.
استجاب أكثر من 300 متبرع من فئة الدم النادرة تلك لرسالة طلب التبرع القصيرة التي أرسلت للآلاف على هواتفهم النقالة، وهي وسيلة اتصال لم تسمع بها الأجهزة الطبية عندنا بعد.
تبين كذلك ان أحد السكان من القاطنين في محيط الحادث قد قام بتصويره بعد دقائق من وقوعه، وبين الشريط مقدار الإهمال الذي رافق الحادث منذ اللحظة الأولى لوقوعه.
وتبين كذلك، وبعد البحث في سجلات المرور، وبتدخل مباشر من وزير الداخلية، ان هناك سيارة واحدة فقط في الكويت يمكن ان تنطبق عليها أقوال الشهودِ وما هي إلا ساعات حتى ألقت الصدفة الجاني، وهو يقود سيارته تلك، أمام ذوي الضحايا، فتم الاستدلال والقبض عليه بعدها مباشرة، ولا يزال التحقيق جاريا معه.

نعود لبداية المقال ونقول اننا ومهما ارتفعت حظوظنا في المعرفة والإدراك، ومهما بلغت ثرواتنا المالية، ومهما تشعب نفوذنا، إلا اننا مجبرون جميعا على التعامل مع الفئة الأولى، متواضعة الإمكانات التعليمية والمالية، والخضوع غالبا لأحكامها المعلبة ومسبقة التحضير، وان مجتمعاتنا كانت ولا تزال في بدايات تكوينها ولا يبدو ان هناك حلا سحريا لهذا المأزق الأمني، وهنا تكمن المشكلة أو المأساة.

زوار الموقع
الارشيف

Back to Top