ميكيافيلية الأحزاب الدينية

عندما كنا صغارا، كان أحد المدرسين يحرص، بعد شرح مادة جديدة، على توجيه السؤال التالي لنا: يا أولاد مين فيكم مش فاهم؟ وكان جوابنا الصمت المطبق.
وكان عادة ما يتبع سؤاله بسؤال آخر: ومين فيكم فاهم؟ وكان الجواب ايضا الصمت المطبق!.

'ِِ وقوفي بينكم اليوم جزء من مسؤولية ارتضيتها طائعا وأنا 'أتنكب' العمل في الشأن العام تكليفا لا تشريفا تحت قوس الحق الذي لا أخشى في محرابه لومة لائمِِ إننا نساهم جميعا، نوابا ووزراء، مسؤولين ومسائلين ومساءلين في تسليم راية الحريات والقيم الدستورية الحقة الى الجيل اللاحق، نحمل أمانة الوفاء لمبادئ الأولين وأمانة الحرص على تطوير تجربتنا الديموقراطية الفريدة في المنطقة من اجل مستقبل افضل للبلاد والعبادِِ من هنا، من صميم المسؤولية، من عمق الالتزام بالتجربة الديموقراطية فانني اعلن عن التزامي بقسمي الدستوري الذي سبق أن أقسمتهِِ إننا نرفض مبدأ الشللية والحاشية، فقبل النيابة وبعدها، وقبل الوزارة وبعدها، أنا الخارج من عباءة الشعب لا أرضى بما يتعارض وشرف الخدمة العامةِ ولم نكن فوق هذا وذاك لنفقد الايمان بمساعدة المظلوم الى حين حصوله على مظلمته(!).
هذه ليست مقتطفات من خطبة لأرسطو أو لأفلاطون او روبسبيير او موليير او حتى لتشرشل، بل هي مقتطفات وردت في تعقيب وزير الشؤون الاجتماعية والعمل ووزير الكهرباء والماء السيد طلال العيار، في جلسة يوم 16 ديسمبر على مواد الاستجواب التي ذكرها النائب حسين القلاف.
اترك للقراء مهمة فك رموزها والتفرس في تصميم حروفها وسبر غور معانيها العظيمة، اما مهمتي أنا فتتلخص في التعليق على موقف ممثلي الاحزاب الدينية على موضوع الاستجواب حيث تبين لي من وقائع الجلسة، امتناعهم جميعا عن الخوض والمشاركة في مادته، بالرغم من مشاركة كافة كتل المجلس وشرائحه الاخرى في التعليق والتحدث فيه، إما تأييدا او معارضة!.
من الممكن ان لا يكون للشخص العادي رأي محدد فيما يجري تحت قبة البرلمانِ كما يمكن، الى حد ما، تصور عدم وجود رأي محدد من موضوع الاستجواب لدى عدد من نواب مجلس الأمة، ومن كتل متفرقةِ ولكن من غير المعقول او المفهوم ان لا يكون لكل هذا العدد من النواب الملتزمين بالقيم الدينية والمنتمين لأحزاب سياسية معروفة موقف محدد من هذه القضية بالذات!.
فاما ان الوزير على حق، وهذا كان يتطلب منهم الوقوف معه والدفاع عنه، او أن الوزير كان مدانا، وهذا كان يتطلب منهم وقوفهم ضده!ِ
ولكنهم، وبميكيافيلية واضحة اختاروا الصمت، فهم من جهة على علم ودراية تامين بأن هناك اساسا واضحا لكل، او لبعض، ما تم توجيهه من اتهام للوزير! ولكنهم في الوقت نفسه على علم أوسع بأن هذا الوزير بالذات لايزال يملك بيديه أمر إغلاق صنابير التبرعات المالية التي لاتزال تصب في خزائنهم! وأن هذا الوزير بالذات هو الذي أخر، ولايزال يؤخر تفعيل الادارة الهشة التي أنيط بها أمر مراقبة انشطة الجمعيات الخيرية، وهذا الوزير بالذات هو الذي أخر، ولايزال يؤخر، أمر البت في قضية الخلاف بين مكتب برقان لتدقيق الحسابات ووزارة الشؤون على موضوع أتعاب هذا المكتب مقابل قيامه بتدقيق سجلات حسابات مئات الجمعيات الخيرية المنتشرة في كافة انحاء العالم، وهذا الوزير بالذات هو الذي مرر لهم، ولايزال، عشرات المعاملات ووافق لهم على مئات الاستثناءات، وشاشة مجلس الأمة يوم الاستجواب كانت خير شاهد على ما نقولِ لا أدري أين اختفى صوت النائب محمد البصيري! ولا أعلم لماذا لم نسمع رأي النائب وليد الطبطبائي، الذي 'خصص' نفسه للدفاع عن قضايا الأخلاق! ولا أعلم أيضا ما الذي انتاب موقف النائب ناصر الصانع بحيث صعب عليه الحديث في موضوع الاستجواب!.
هل رأيتم ميكيافيلية أوضح من ذلك؟.

ملاحظة:
الزميل شملان العيسى، بعد قراءته اعترافات الكويتيين المتهمين بالانتماء لتنظيم 'القاعدة'، طالب بضرورة محاسبة الدولة والمجتمع ومحاسبة جميع المقصرين في مجتمعنا، سواء كانت وزارات الدولة المسؤولة او العائلة او الديوانية ورواد المساجد ودور العبادة لتقصيرهم في تربية شباب المجتمع!.
نحن نؤيد ما طالب به الزميل، ولكن لكي يكون بالامكان القيام بهذا العمل الضخم فاننا نحتاج الى جيش من القضاة الملائكة، وهذا ما هو غير متاح حاليا.
ما نود قوله هنا هو: اننا عندما نكتب ونحذر وننبه لمختلف الأخطار التي تحيق بنا، فاننا لا نفعل ذلك من باب التفاخر أو العلم بالشيء، بل لكي لا يأتي يوم نوضع فيه مع أولئك الذين ادانهم الزميل شملان بسبب دورهم في دفع المجتمع لأن يصل الى ما وصل اليه من درك منخفض، فالكتابة في جزء منها ما هي الا محاولة لإبراءالذمة.

زوار الموقع
الارشيف

Back to Top