كيف نتقرب إلى الله؟

تخرج وليم في كلية الطب في منتصف الخمسينات من القرن الماضي، ونذر نفسه، منذ اليوم الاول لتخرجه، لتقديم خدماته لأكثر فئات البشر حاجة اليهاِ ووجد ضالته في دول العالم الثالث، حيث تقع اكثر مناطق العالم فقرا وتخلفا، وانتهى الامر به قبل سنوات قليلة في اليمن 'السعيد'.
تخرجت مواطنته مارتا مايزر من الكلية نفسها بعده بخمس سنوات، ومن غير سابق ترتيب انخرطت في المؤسسة التطوعية نفسها التي سبق ان انضم اليها دِ وليم، واصبحت تعمل معه في تلك الدولة الفقيرة والنائيةِ انضمت إليهما بعدها بسنوات زميلتهما دِ كاترين، وشكل ثلاثتهم وآخرون فريقا طبيا مميزا استطاع تقديم خدمة قل نظيرها في بلد هجرته اجساد وعقول وقلوب خيرة ابنائه للعمل في الخارج، والى دول الغرب بالذات!!
قبل يومين فقط من بداية العام الحالي الجديد، قام عابد عبدالرزاق الكامل، الذي لا يتجاوز عمره عمر اصغر ابناء الدكتور وليم، وبناء على نداء رباني داخلي، كما ادعى، وتقربا إلى الله كما قال، بفتح نيران سلاحه الرشاش، وانهى في ثوان، وبدون رحمة او شفقة، حياة الطبيب الانسان وليم كوين، والطبيبة مارتا مايزر والطبيبة كاترين غاريني، الذين ضحوا بالثراء والراحة والامن والامان في وطنهم وذهبوا الى وطنه، وعلى بعد آلاف الاميال من وطنهم، ليقدموا لوالدته واخته وخاله وابيه واقاربه وابناء وطنه ما هم بأمس الحاجة اليه من علاج ودواء، وفعل بهم ما فعله من جرم لكي يدخل الجنة(!)ِ ان هذا الحادث الاثيم يبين بصورة جلية مدى الخلل الذي اصاب الكثير من عقول رجالنا، ولا نستثني هنا نساءنا، هذا الخلل الذي لم يحدث عبثا أو بطريق الصدفة بل جاء بعد سنوات وسنوات من الشحن التعليمي والخطابي المتخلف الذي صور اتباع كل الديانات الاخرى في صورة المجرمين الذين يستحقون الاحتقار والقتل بدم بارد، تقربا من الله ومرضاة له.
ما ذكرته المصادر الحكومية اليمنية من ان قاتل الاطباء الاميركيين طالب في جامعة 'الايمان' الدينية المتشددة، وان رفيقه الذي قتل المسؤول في الحزب الاشتراكي اليمني جار الله عمر هو ايضا من طلاب تلك الجامعة، لم يكن مفاجأة لأحد، فقد كانت بعض الجامعات والمدارس والتكيات الدينية، وخطب ومنتديات الجوامع والمساجد المسيسة، ومحاضرات ومعسكرات الاحزاب الدينية وراء كل فكر متطرف زين لقاتل الاطباء، وغيره الآلاف، ان في قتل هذه الفئة خلاص الدين، وفوزه ونصرا من الله وفتحا قريبا!.
ان ما حدث في اليمن وما حدث قبله في الكويت، وما جرى ويجري في افغانستان وباكستان وايران والسودان واندونيسيا، وغيرها من الدول والتجمعات الاسلامية الاخرى يجب ان يكون، من الناحية المنطقية، كفيلا بلفت نظر مسؤولي هذا الوطن الى خطورة استمرار الوضع التعليمي على ما هو عليه من ناحية المناهج وادبيات التعليم والتثقيف، وان من الخطورة بالتالي الالتفات الى تهديدات قوى التخلف، فهي المستفيدة من بقاء الاوضاع على ما هي عليه، لكي تستمر زعامتها ويستمر استغلالها للمجاميع الكبيرة المغرر بهاِ ان قوى التقدم الميهمنة على مقدرات العصر الحالي، سوف لن ترحمنا ان لم نحاول ان نرحم انفسنا، وهذا لا يمكن ان يتم من دون التحرر من قيود التعليم الثيوقراطي المتخلف.
قال لي صديق، بصيغة التساؤل، انه يتفهم السبب الذي يدعو الكثير من نواب المجلس، والاكثر من زعماء الاحزاب الدينية المسيسة، الى معارضة الغاء كل ما يدعو الى العنف والفتنة ومحاربة الاديان الاخرى من المناهج الدراسية!!، ولكنه لا يستطيع حقيقة معرفة سبب معارضة هؤلاء تضمين مناهجنا قيم التسامح والاخاء والمساواة والرحمة؟!
ابتسمت لصديقي ولم أجبه عن تساؤله.

زوار الموقع
الارشيف

Back to Top