نحن واميركا الجنوبية (2)

ان الوحدة لا تتم بالشعارات والتظاهرات والخطب النارية، كما لا يمكن ان يكون العامل الديني العماد الذي تبنى عليه الوحدة السياسية، بل يجب ان يسبق كل ذلك الكثير، فنحن لا نكاد نجد طريقا بريا سريعا واحدا - يربط بين اكثر من دولتين عربيتين - يمكن الاعتماد عليه في التنقل بيسر وسهولة وأمان!
كما ان الدول العربية التي تربطها اتفاقيات اعفاء جمركية لم يتغير عددها منذ عقدين من الزمن، كما تزيد كلفة الشحن الجوي او البري، وحتى البحري، وتنقل الافراد بغرض التجارة او السياحة او الزيارة، بين مختلف اعضاء جامعة الدول العربية على مثيلتها بين الدول غير العربيةِ فتكلفة شحن مادة ما من تركيا الى الكويت ارخص بكثير من تكلفة شحن المادة نفسها بالوسيلة نفسها من لبنان الى الكويتِ كما ان قيمة تذكرة السفر بين قبرص وبريطانيا اقل من قيمة تذكرة السفر بين الكويت ولبنان مثلا، على الرغم من ان المسافة في الحالة الاخيرة اقل من نصف طول المسافة في الحالة الاولىِ ومن المعروف ان اسعار تذاكر السفر جوا ضمن نطاق دول مجلس التعاون اعلى بكثير من تكلفة السفر بين هذه الدول والدول الاخرى لمسافات مماثلة.
اما الاستثمار بين الدول العربية، سواء على مستوى الحكومات او المؤسسات او الافراد، فإنه لا يكاد يذكر، خصوصا بعد استبعاد ما تقوم الصناديق الاستثمارية بتوظيفه من اموال في مشاريع تنموية، حيث تغلب على هذه الاستثمارات العوامل السياسية.
ولو قمنا بمسح شامل لمختلف المناهج الدراسية لعدد من الدول العربية، وهي المناهج التي تشكل فكر مواطني اي دولة، لوجدنا انها تخلو تماما من قضية محبة الشعوب الاخرى بشكل عام، والعربية بشكل خاص، وذلك بسبب زيادة عدد 'حالات' وقضايا الصراع والاختلاف بين مختلف الدول العربية بعضها بعضا، وبين كل واحدة منها والدول غير العربية الاخرى، سواء ما تعلق منها بالحدود او بما في النفوس، ولولا قضية فلسطين، التي تعتبر ورقة توت الوحدة العربية، لقلنا ان ليست هناك قضية جدية واحدة يمكن الادعاء بأنها تجمع الدول العربية مع بعضها، والموضوع نسبي بطبيعة الحال!
ولو نظرنا إلى ما يلاقيه المسافر من دولة عربية إلى أخرى، وعلى وجه الخصوص، لغرض الزيارة او العمل، لوجدنا ان معاناته تزيد بكثير عن معاناة اصحاب الجنسيات الاخرى، وخصوصا اذا ما كانوا من جنسيات 'محببة' معينة، وهم في كافة الاحوال ليسوا بعرب ولا بمسلمين.
كما ان حظ اي عربي في الموافقة على طلبه لزيارة اي بلد عربي آخر، سواء لغرض ديني او تجاري، لا يمكن مقارنته بحظ اصحاب الجنسيات الاخرى، ولو كانوا من الاعداء، فللمواطن الاسرائيلي مثلا الحق في زيارة عدد من الدول العربية التي ليس من السهل على عدد من حاملي جوازات السفر العربية دخولها!
كما ان من المعروف ان رواتب الاوروبيين والاميركيين المتحدرين من اصول عربية، والعاملين في دول مجلس التعاون على الاقل، تقل عن رواتب نظرائهم من الغربيين 'الاصليين'، ومن المفترض، بحكم الاخوة وعوامل الدين واللغة والوحدة العربية، ان يكون الامر عكس ذلك تماما.
وما يزيد الامر سوءا 'تضامن' واتفاق غالبية الدول العربية على اكثر الامور خطورة ومدعاة للخجل، حيث ان انتهاك حقوق الانسان يكاد يصبح سمة بارزة لمختلف الدول العربية! ولا يكاد يخلو تقرير لمنظمات العفو الدولية او حقوق الانسان من ورود اسماء 'جملة' من الدول العربية التي اصبحت اسماء سجونها اشهر من اسماء جامعاتها وصروحها العلمية، ان وجدت، ولهذا نجد ان غالبية حكومات واجهزة امن ومخابرات الدول العربية 'الشقيقة' لا تكترث كثيرا لما تسببه من اذى وانتهاك لحقوق مواطني الدول 'الشقيقة' الاخرى، اما لعلمها بأن دول اولئك المواطنين في غير وارد الاكتراث بمصيرهم، او لانها تقوم بتلك الانتهاكات نفسها مع مواطني الدول الشقيقة الاخرى، وبالتالي يتبادل الجميع 'حق' انتهاك حقوق مواطني الدول الاخرى دون خشية من عقاب او حتى تذمر، ولو شبه صامت!
(يتبع)

زوار الموقع
الارشيف

Back to Top