كل الجمال تعارك الا جمل 'غيده' بارك

تمكن، مايك كروس، الضابط السابق في سلاح الجوي الملكي البريطاني وابنه ويل الذي يبلغ الخامسة والثلاثين، من تسجيل مجموعة من الارقام القياسية العالمية مؤخراِ فقد اصبحا اول مصابين بمرض السكر يتمكنان من الوصول الى قمة القطب المتجمد الجنوبي في رحلة سير على الاقدام استغرقت 60 يوماِ كما اصبحا اول رجل وابنه يصلان الى تلك القمة في وقت واحدِ كما تمكن الاب مايك كروس من ان يصبح اكبر من وصل الى تلك القمة سنا، بعد ان تجاوز عمره الستين عاما بقليل.
ربما لا يمثل هذا الخبر، والذي سنسميه تجاوزا بالرياضي، اهمية لدى غالبيتنا، فقد سبق ان سمعنا وقرأنا عن مثله الكثير ولم يلفت اي منها نظرنا او يشد انتباهنا الا للحظات، بعد ان اصبح تجاهل مثل هذه الاخبار جزءا من حضارتنا، ان وجد في حياتنا شيء من هذا القبيل! وعليه فإن من المفيد او المعقول التساؤل عن جدوى اعادة سرد قصة السيد كروس وابنه ويل؟
ان السبب لا يكمن بطبيعة الحال في الانجاز الخارق الذي استطاع هذا الطيار المتقاعد تحقيقه، بعد ان تجاوز الستين من العمرِ وليس في نجاحه وابنه، وهما المصابان بذلك المرض الخطير، في القيام بما عجز عنه الآلاف من الاصحاءِ كما لا يتعلق الامر بما استطاع المئات من اقران هذا الرجل وابنه من المكتشفين والمغامرين والرحالة الشجعان ان يحققوه من منجزات واكتشافات في مختلف المجالات والبلاد والاصقاع ومن مختلف الجنسيات، والاوروبية الغربية منها بالذات، بما في ذلك اكتشاف مجاهل غاباتنا ومنابع انهارنا وقمم جبالنا وربوع وأركان صحارينا التي عشنا فيها آلاف السنين لا نعرف عنها شيئا، وما قاموا به من تدوين لكل ذلك في كتب ومخطوطات وخرائط ومجلدات لم يبع منها في بلادنا، وطوال قرنين من الزمن، غير الآلاف!
بل ان السبب يكمن في ظاهرة غريبة تتمثل في غيابنا التام عن تحقيق اي انجاز رياضي او جغرافي غير عادي، وعجزنا التاريخي التام عن اكتشاف اي بقعة او قهر اي ظاهرة طبيعية في بلادنا، ولا نقول في خارجها! ولا ادري ان كان هذا العجز هو الذي دفع الرحالة الدانمركيين والفرنسيين والانكليز وشخصيات مثل فليبي ولورنس وغيرهم لكي يقوموا نيابة عنا باكتشاف الربع الخالي ومنابع نهر النيل وصحراء النقب وغابات السودان وغير ذلك من تاريخ وجغرافيا بلادنا والكتابة عنها!.
هل للأمر علاقة بطريقة تربيتنا وتنشئتنا؟ ام ان الامر يرتبط بمناهجنا الدراسية وطرق تعليمنا التي لم تتغير كثيرا منذ زمن 'الكتاتيب'؟ او قد يقول قائل ان الامر يتعلق بكوننا امة تتعلق وتؤمن وتحفظ الكلام الشفهي المنمق والعذب والجزل، والذي سرعان ما تنساه، ولا نؤمن كثيرا بالعمل؟! ام ان الامر يرتبط بانعدام روح المغامرة والبحث لدينا بسبب خوفنا 'الموروث' من المجهول وغير المعروف، وما ترسخ في عقلنا الباطن من تراث لم يشجعنا قط على السؤال عما لا نعرف من امور ولا نفقه من اشياء!
ان تخلفنا التام والكامل في المجالات والمنجزات العلمية او حتى الفنية، على المستوى العالمي، كالرسم والمسرح والموسيقى، يمكن فهمه وتبريره بمختلف الحجج والاسباب، فهذه امور صعبة وشاقة ويتطلب امر بلوغها توافر العديد من العواملِ ولكن ماذا عن امر كشف المجهول، وارتياد المخاطر وعبر الحدود وسبر اغوار المغارات وقهر قمم الجبال والملاحة عكس التيار، ولماذا فشلنا في كل هذه الامور، وعلى مدى قرون وقرون؟ هل يمتلك احد جوابا عن سبب هذا التخلف وهذا التردي؟ ام ان الامر لا يعدو ان يكون جزءا من تخلفنا العام في كل ميدان ومجال، ومن دون اي استثناء! واذا كان الامر كذلك، ولا اخاله غير ذلك، فلم اذا كل هذه الضجة وهذا الصراخ، والاعتراض على موضوع تغيير المناهج، وتدخل الغريب في شؤوننا، وفرض الديموقراطية على انظمتنا، وترسيخ مفاهيم حقوق الانسان بيننا، وجعله، اي الانسان، محور كل امر ومركز كل قرار؟.
* * *
ملاحظة: 'غيده' المشار اليها في عنوان المقال هي أمتنا العربية والاسلامية!!

زوار الموقع
الارشيف

Back to Top