الدهان والأسد

ذكر الكاتب خالد القشطيني في كتابه 'السخرية السياسية العربية'، الذي كتب اصلا باللغة الانكليزية، ان العرب القدماء كرهوا الصناعات والعاملين فيها واحتقروا اربابهاِ فالسيد العربي النبيل في اعتبارهم، لا يجمع امواله من العمل اليدويِ ولهذا نجد ان العرب 'الاصليين' تكثر بينهم اسماء مثل: صخر وسيف واسدِ وليس بينهم من سمي بخياط وحداد ونجار، وهي التي عادة ما تطلق على ابناء المدنِ وعلى ذلك فالاتصال بمثل هذه الصناعات، على وجه ما، والعمل بأي واحدة منها، كائنة ما كانت، قد فتح مجالا رحبا للسخرية منهم، وقد تحمل عبدالرحمن البزاز، رئيس الوزراء العراقي الاسبق، الكثير من التهكم في حملته الانتخابية بسبب اسمه الذي يعني بائع الاقمشة.
وقد اخطأ الكاتب القشطيني القول عندما قصر امر كراهية الاعمال اليدوية على العرب القدماء، فالظاهرة لاتزال مستفحلة وتنخر في العقل العربي بشدة، وليس ادل على ذلك مما ذكره عن البزاز، وهي شخصية معاصرة وليست من العرب القدماءِ كما اذكر شخصيا ذلك الانتقاد الشديد الذي وجه إلى الحكومة في الكويت قبل الغزو بفترة، لا لشيء الا لموافقتها على تولي شخصية يدل اسمها الاخير على العمل اليدوي منصبا عسكريا مرموقا.
ومن المآسي التي عاشها، ولايزال يعيشها قطاع كبير من الشعب العربي في الجزيرة العربية والعراق كراهية ذكوره لفكرة العمل اليدويِ ويبدو الامر اكثر مأساوية في العراق، حيث تضطر المرأة في مناطق كثيرة منه للقيام بكل الاعمال، داخل المنزل وخارجهِ وربما نعتبر الشعب الوحيد في العالم الذي لم يقم حتى الان، وعلى الرغم ما ندعيه من امتلاكنا لناصية حضارة تعود الى سبعة الاف سنة، بالاستفادة من اكثر الظواهر الطبيعية كرما على وجه الارضِ حيث تقوم ظاهرة المد والجزر البحرية في اعلى منطقة الخليج بدفع مياه الانهار التي تصب فيه من الاراضي العراقية بخلق عملية ري طبيعية تتكرر مرتين في اليوم الواحدِ مما يعني ان عملية زراعة تلك المنطقة الشاسعة من الاراضي الخصبة التي تروى مرتين يوميا لا تحتاج الا الى عصا بطول متر تغرز في الارض الطينية بعمق سنتيمترات فقط، ومن ثم ترمى في داخلها اي بذرة مفيدة لتقوم الطبيعية بالباقي ويكون لنا انتاج زراعي هائل بأقل جهد بشري يمكن تخيلهِ ولكن نجد بدلا من ذلك ان لا احد على استعداد للقيام بهذا الجهد البدني البسيط، ليس كسلا فقط، بل باعتباره عملا يدويا 'دونيا' لا يجدر بالرجال الذكور القيام به، فعمل الكثيرين منهم ينحصر في ارتداء افخر الثياب واثقلها والجلوس في القهوة لاحتساء عشرات فناجين الشاي في اليوم الواحد، ولسبعين سنة كاملة.
ان التصدي لهذه الامراض الاجتماعية وكشفها، سواء بالحديث او الكتابة عنها، ومحاربتها من خلال وسائل الاعلام والمناهج الدراسية هي التي يجب ان تشغل 'مفكرينا' و'رجال الدين' عندنا بدلا من التفرغ للتنظير السطحي وتكفير القريب وتأثيم البعيدِ ولكننا امة كتب عليها الشقاء، ليس لسوء حظها، بل لجهلها!!

زوار الموقع
الارشيف

Back to Top