الغثيان وإصلاح المسار

لن أدخل في تعريفات كلاسيكية قد نختلف عليها، فيما يعنيه مصطلح 'تعديل المسار الاقتصادي'، ولكن من المؤكد ان أي إصلاح اقتصادي لا يمكن ان يتم بدون التركيز على استثمار عامل 'الوقت' المتاح لنا بأحسن صورة ممكنةِ وهذا يعني ان علينا استغلال اقل وقت لانجاز أكثر ما يمكن، من عمل او انتاج، وهذا يعني أيضا ان أي إصلاح لا يهتم بتوفير الوقت المطلوب لانجاز المعاملات والاجراءات الادارية يعتبر لغوا لا طائل منهِ ومن هذا المنطلق سنحاول التطرق لبعض المسائل والمشاكل الادارية التي نعتقد انها تعيق عملية الاصلاح الاقتصادي، ليس فقط بسبب 'كمية' الوقت التي تهدر لانجازها، وما يؤدي اليه ذلك عادة من اصابة كل من لهم علاقة بالأمر بالإحباط، بل لأن تخلفنا بلغ درجة لا يمكن فيها تجاهل أي عامل مهما قلت أهميته، فما بالك بعامل 'الوقت' القاتل؟

في اجتماع عقد في السنوات الأولى من استقلال الدولة بين أركان وزارة الداخلية، من مدنيين وعسكريين، لمناقشة الازدحام المروري الذي كانت تشكو منه شوارع الكويت الضيقة وقتها، تدارس الحضور مختلف سبل القضاء على المشكلة، وتتالت الاقتراحات بين وقف مؤقت لاستيراد السيارات، وتوسعة للشوارع الى آخر ما يتعلق باقامة عدد من الجسور الى ان استقر الأمر على اقتراح وقف منح تصاريح قيادة مركبات للجميع مع إعطاء حق الاستثناء لمدير المرور! وجد الاقتراح قبولا سريعا من كبار ضباط المرور لأنه منحهم سلطة لم يكن أحدهم يحلم بهاِ ومنذ ذلك الوقت تجذر سوس الفساد في تلك المؤسسة بعد ان كان ينخر فيها لسنوات طويلة، حيث اصبح بعدها لاستمارة تعلم القيادة ثمن، ولتحديد موعد تقديم الامتحان التحريري ثمن، وللنجاح فيه ثمن ولتحديد موعد اختبار القيادة ثمن، وللنجاح فيه ثمن آخر، وللاستعجال في استخراج رخصة القيادة ثمن، ولتغيير الترخيص من قيادة المركبات الصغيرة الى الكبيرة ثمنِ كما طال الأمر أمورا اخرى، وأصبح لاسقاط المخالفات المرورية ثمن، ولتجديد ترخيص المركبة المخالفة من مواصفاتها ثمن، وإلى آخر ذلك من قائمة المخالفات الرخيصة والغالية الثمن.
وعلى الرغم من التطور والتغيير اللذين طرآ على ادارة المرور بعد أن استلم مقاليد الأمور فيها مديرها الحالي إلا أنها لاتزال تشكو من علل ومصائب لا عد لها ولا حصرِ وتعتبر عملية زيارة أي من الأقسام التابعة لادارة المرور مأساة ومعاناة و'بهدلة' لصاحب العلاقة أو لمندوب الشركة، إضافة الى ما يؤدي اليه من هدر لوقت ثمين وتضييع لأموال الدولة والمواطنِ ومن المؤسف ان نطالب لجنة تعديل المسار الاقتصادي بالتدخل في الأمر، ومحاولة وضع حل لمشاكل المرور، على الرغم من كل ما تتسم به من 'سذاجة ادارية'، ولكن من المعروف ان الحرائق الكبيرة عادة ما تنتج من مستصغر الشرر، فمن غير المعقول مثلا، وبعد ما يقارب الستين عاما من اضطلاع ادارة المرور بمهمة اصدار رخص القيادة، أن نجد أنها لاتزال تشكو من نقص المتوفر منها لديها، بحيث انها تضطر دائما، ومنذ سنوات طويلة، الى اصدار اجازات قيادة مؤقتة لمدة شهر، وتقوم بتجديدها المرة تلو الأخرى بسبب عدم توفر اجازات أصلية لديها، وغني عن القول ما يتسبب فيه كل ذلك من جهد ومال ووقت ثمين ضائع، دع عنك شكل اجازة القيادة الحالي الذي يصيبك بالغثيان، مقارنة بشكل وطريقة تصميم البطاقة المدنية مثلا! فهل نجد حلا لدى لجنة 'إصلاح المسار الاقتصادي'؟

زوار الموقع
الارشيف

Back to Top