الطقوس كاملة وأزمة في السلوك

عندما كنت أنتظر في سيارتي أمام الاشارة الحمراء قام قائد مركبة بيضاء كبيرة بتجاوز كافة المركبات أمامه والوقوف، بطريقة خاطئة، الى جانبي!! نظرت اليه باستغراب وطلبت منه فتح نافذة سيارته، وكان رجلا في منتصف الاربعينات، وسألته عن السبب الذي جعله يتجاوز غيره ويقف في الحارة الخطأ من الطريق ويغلقه امام السيارات التي خلفه واصحابها يحثونه بالزمامير على التحرك من مكانه!! فقال إنه مضطر لأنه على عجلة من أمره!! فسألته بعد أن استوحيت من ملامحه وهيبة لحيته التزامه بالدين أليس من العيب على شخص مثلك ان يرتكب مخالفة مرورية؟ فقال بدون تردد ان لا علاقة للحيته وتدينه بالمرور وبمخالفاته(!!).
وهنا تذكرت اننا ربما نكون من الشعوب النادرة التي تطلب الامر اللجوء الى نصوص دينية لإقناعنا باتباع تعليمات المرور واحترام قوانين استعمال الطريق، حتى وصل الامر الى درجة صدرت فيها اكثر من فتوى تطالب قائدي المركبات باحترام اشارات المرور وعدم تخطي الحمراء منها لأن في ذلك مخالفة لأوامر 'ولي الأمر'!!، ولم تتطرق الفتوى لما قد تتسبب فيه مخالفة الاشارة من اضرار ومخاطر على حياة المخالف وحياة الآخرين وممتلكاتهم، فقد سبق ان ذكرت هذه التحذيرات بدون تعزيز ديني ولم يلتفت اليها البعض، مما اضطر ولاة الامر للبحث عن سند شرعي!
ان حاجة الكثيرين للاستعانة بفتاوى رجال الدين لتوضيح ما يشكل عليهم من امور الدين والدنيا ليس بالأمر الغريب عن مجتمعاتنا، فقد تعودنا على المثل القائل 'ضعها برقبة عالم واخرج منها سالم'!!، وهذا يعني سؤال رجل الدين عن امر ما والنجاة بالنفسِ وإن تبين لاحقا ان في الامر معصية، فرجل الدين هو الذي سيتحمل وزرها، فهو الملام ان اخطأ في فتواه او رأيه!!
ولكن الامر تجاوز كل حد ومنطق، واصبح يشكل ظاهرة خطيرة، حيث اعتقد البعض ان بإمكانهم فعل ما يشاءون متى ما قاموا بأداء واجباتهم الدينية كالصلاة والصيام وايتاء الزكاة والحج، وزادوا على ذلك بعمرة مقبولة وقراءة ما تيسر من القرآن والبر بالوالدين والتصرف بصدق وامانة، والتميز بالتعفف والاخلاصِ وغير ذلك من الامور الواجبة والمتعارف عليها دينيا، اما القيام بمخالفة كل قانون والتعدي على حقوق الآخرين والاستهزاء بهم واستعمال حارة الطوارئ على الطريق السريع لتجاوز مئات السيارات الاخرى في اوقات ازدحام المرور مثلا، كما يحدث من قبل الكثيرين، واجزم ان من بينهم نسبة كبيرة من الصائمين، والتسبب فوق كل ذلك باتلاف هياكل سيارات الآخرين وكسر زجاج نوافذها بكل حبات الحجارة الصغيرة والحصى التي تتطاير نتيجة السير بسرعة عالية في مسار خاطئ، فإنها تصرفات لا علاقة لها، بمفهوم هؤلاء، بالدين، فقد ادوا ما عليهم والله، بنظرهم، لن يعاقبهم على مخالفات مرور!!
واذكر بهذه المناسبة ما يقوم به طبيب كويتي معروف، عصر كل يوم، في أحد النوادي الصحية، حيث يقوم باستعمال احدى مناشف النادي كسجادة صلاة، وليس هناك ما يمنع ذلك، ولكنه، وهنا وجه الغرابة، لا يكترث بالتقاط المنشفة او السجادة التي صلى عليها ووضعها في مكانها المناسب، بل يتركها وراءه، اما كسلا، وهذا مفهوم، او ربما لاعتقاده بأنه طالما ادى واجبه الديني نحو خالقه، فإن اي امر او تصرف آخر يصبح غير ذي اهمية، وهنا مكمن الخطورة!!
خلاصة الامر ان المؤمن يجب ان يقرن ايمانه بتصرف منطقي سليمِ ونحن مدعوون للتمعن في منطقية الكثير من تصرفاتنا ومحاولة مناقشتها بيننا وبين انفسنا، وسيجد الكثيرون من اصحاب الرأي الشجاع منا اننا مخطئون في الكثير مما نفعل، بعد ان فضل البعض منا ترك المنطق جانبا وتحكيم العاطفة والموروث في الكثير من تصرفاتنا.

زوار الموقع
الارشيف

Back to Top