'صدام' الآخر

التقيت بالمصرفيين الليبيين 'عِ ع' و'سِ ب' عام 1977 في مدينة فيلادلفيا الاميركية اثناء دورة تدريبية في الادارة المصرفية مع وارتن سكول وبنك فيلادلفياِ لم يكن وقتها قد مر على انقلاب القذافي أكثر من 8 سنوات، وبالرغم من ذلك كان لدى هذين الليبيين الكثير مما كانوا على استعداد لروايته عن 'مصائب' وشطحات صاحب العهد، والتجارب والمواقف المضحكة والمبكية في الوقت نفسه التي مروا بها معه بحكم مناصبهم المصرفية الرفيعة، ومثال على ذلك الطلب، أو الأمر، الذي تقدم به مكتب العقيد القائد لتمويل مشروع ضخم ومكلف يتعلق بزراعة الخيار في منطقة صحراوية! وجاء في القرار ان المشروع مهم للأمن الغذائي الليبي من جهة، ولتشجيع مواطني المنطقة من البدو الرحل على الاستقرار والعمل في الزراعة من جهة ثانية! كما كان متوقعا فشل المشروع وضاعت أكثر من خمسة ملايين دولار في رمال الصحراء المتحركة بعد ان جفت المزارع، وبقي البدو على ترحالهم وجوعهم الأبدي لأغذية أكثر غنى وأهمية من خيار لا يسمن ولا يغني من جوع.
بعد أسبوع من إعلان فشل مشروع زراعة الخيار صدر قرار آخر يتعلق بانشاء مجمع 'صناعي' ضخم في منطقة صحراوية أخرى لانتاج الأحذية، وذلك لتشجيع أهالي المنطقة الرحل على الاستقرار من جهة والعمل في المصنع من جهة أخرىِ كما صدرت الأوامر لادارة المصنع بتشجيع عمالة المصنع الحفاة في غالبيتهم على ارتداء الأحذية عن طريق توزيعها عليهم دون مقابلِ فضل الأهالي صنادلهم القديمة على أحذية العقيد الجديدة التي انتهى المطاف بها في سوق الجمعة معروضة للبيع بعشر ثمن تكلفتها الباهظةِ كما كان متوقعا انتهى المشروع بالفشل وأغلق المصنع الضخم بعد أن تكبد خسائر تتجاوز عشرة ملايين دولار، واستولى أهالي المنطقة على معدات ومكائن خياطة المصنع لبيعها كحديد خردة بالرغم من ان غالبيتها كانت جديدة وغير مستعملةِ وكالعادة طلب من المصرف الليبي تسجيل قيمة القرض، مع عشرة قروض مماثلة أخرى، على حساب قائد 'ثورة' الفاتح من سبتمبر!
نكتب ذلك بمناسبة قيام جامعة 'المرقب' الليبية بارسال البرقية التالية للعقيد القذافي بمناسبة 'حصول' ابنته 'عائشة' على شهادة الدكتوراه في القانون: 'ِِ ان سلسبيل فكركم الجماهيري الرائد الذي أنار للبشرية ليلها الدامس وانتشلها من براثن الظلام الى مرافئ السعادة والرفاهية في قواعد إنسانية خالدة، تتطلع الجماهير الى النهل من فيضه على مدى حقب تاريخية متتالية، وقد جسدت طروحاتكم الخالدة رحلة كفاح ومعاناة للانسان في تحريره من الاستبداد والعبودية لتبقى المعرفة حقا طبيعيا لكل انسان بلا قيود ولا وصاية ولا تدجيلِِ'!
وهنا نتساءل: هل يقبل أي انسان عاقل أن يقال عنه هذا الكلام؟

زوار الموقع
الارشيف

Back to Top