حكاية دِ إبتسام

كانت ابتسام قد تجاوزت الثلاثين عندما حصلت على شهادة في الطب، وانهت مرحلة التدريب المعتادة في مستشفيات ايرلندا، وعملت هناك لسنتين اضافيتين لتصبح عضوا في الجمعية الملكية لأطباء العيون، قبل ان تعود لوطنها اخصائىة في مجال تخصصها بدرجة شرف عالية.
لم يمر على انتظام ابتسام في العمل في احد المستشفيات الحكومية اكثر من شهرين حتى خفق قلبها لزميلها في القسم، اخصائي التخدير التونسي، الذي بادلها شعورا بشعور، ولم تنته السنة الاولى على تعارفهما حتى قررا الاقتران ببعضهما البعض.
بخلاف شهاداتهما وحبهما لعملهما وتفانيهما فيه لم يكن هناك ما يميز الدكتورة ابتسام اوطبيب التخدير سعد من الناحية الفزيولوجية، فقد كانت مواصفاتهما الجمالية اقل من المتوسط، ولكن متى اهتم المحب بتقاطيع من يحب؟
اثمر الزواج خلال فترة قصيرة توأمين (ذكرين) وابنة واحدة، وقررا ان هذا ما كان يحلم به كل منهما من ذرية!
وفجأة عاد والد ابتسام من تايلند حيث كان في رحلة راحة واستجمام استغرقت خمس سنوات لم يعرف اي من اهله خلالها عنوانه او طريقة الاتصال به، وكان من الممكن الاعتقاد بموته مخمورا في حانة رخيصة لولا انه كان يتصل بهم بين الفترة والاخرى من هاتف عمومي غير واضح الصوت طالبا منهم تحويل بعض المال له.
فوجئ الاب بزواج ابنته البكر، وتقبل الامر في البداية على مضض، ولكن طريقة تصرف زوج ابنته ودخوله وخروجه لبيت العائلة وكأنه في بيته، جعله اكثر انتقادا لذلك الزواج واكثر اصرارا على ابطاله لان احدا، حسب رأيه، لم يأخذ موافقته عليه! لم تفلح كل محاولات الأم لتهدئته وتذكيره بتعذر الاتصال به كل تلك السنوات التي عاشها في تايلند، وان ابنتهما كانت ناضجة وكبيرة وفي سن متقدمة عندما قررت الزواج ولم يكن من السهل رفض طلبها والتعذر بضرورة الحصول على موافقة والدها، وهو الذي لم يكن معروفا مكان اقامته او كيفية الاتصال به، خاصة ان من اراد الزواج بها لم يكن يقل عنها في شيء، فقد كان يحمل، ولايزال، كل الصفات التي تجعله زوجا مثاليا!
كان اصرار الاب على فسخ الزواج يزداد مع الوقت، وكان اصراره على زيارة بيت ابنته بين الفترة والاخرى وتهديدها باللجوء للقضاء ان لم تتم تسوية الامر خارج المحاكم سببا في تصدع اواصر المحبة والصداقة التي كانت تربط الجميع لسنوات عندما كان ذلك الاب يعيش بعيدا عنهما، فقد انقطعت الزيارات بين الطبيبة وبقية اخواتها ووالدتها وغيرت عنوان سكنها وطلبت من الوزارة تغيير مكان عملها، وكان لها ما ارادت، وارتاحت بعض الوقت من مضايقات ابيها، ولكنه تمكن بعد عدة اشهر من معرفة عنوان بيتها من المعلومات المدنية وقام بالاتصال بها هاتفيا وحدثها بود واضح وطلب منها الحضور الى منزل العائلة في ليلة ذلك اليوم حيث ان لديه مفاجأة سارة لها!
التأم شمل الاسرة كلها للمرة الاولى منذ عام تقريبا، وبالرغم من محاولات البعض اضفاء طابع المرح على اللقاء، واصطناع الابتسام الا ان من الواضح ان الجميع كان يشعر بتوتر شديد، فملامح الاب القاسية، وضحكاته العالية والمفتعلة لم تكن تبشر كثيرا بالخير.
ما ان انتهوا من تناول العشاء وجلسوا في الصالة الكبيرة لشرب الشاي حتى سألته ابنته الدكتورة عن المفاجأة السعيدة التي سبق ان اخبرها عنها، وهنا سحب الاب رشفة قوية من 'استكانة الشاي التي كانت بيده، ووضعها على الطاولة ومد يده الى جيبه واخرج مغلفا صغيرا بداخله قصاصة من صحيفة محلية رفعها امامه وقال، بعد ان وضع نظارته الصغيرة على عينيه: 'هذه فقرة من محضر جلسة مجلس الامة ليوم الاثنين 15 ديسمبر والتي ناقش فيها قانون الاحوال الشخصية المقترح للتعديل على بعض احكامه، وهذا نص كلام نائب منطقتنا ووزير في الحكومة في تلك الجلسة والذي ورد تعليقا على احد بنود القانون حيث قال، نقلا عن حديث شريف 'ان كل من تتزوج بلا ولي امر فزواجها باطل'!
انهى الاب قراءة القصاصة ووضعها في جيبها وقام خارجا وهو يقول: هذا هو رأيي النهائي، فهذا كلام رجل صالح ونائب في المجلس ووزير، ولا استطيع الا العمل بموجبه!
وتعيش حقوق الانسانِِ ياِِ ياِِ!

زوار الموقع
الارشيف

Back to Top