منطق الحلال والحرام

من الواضح أننا كمسلمين، وكعرب بالذات، وفي منطقتنا بالتحديد، نشكو من قصور واضح في فهم منطق الكثير من امور حياتنا اليومية، وهذا يشمل نسبة كبيرة منا، ولا علاقة لهذا القصور في الفهم بأمور جينية او بيئية او حتى عقلية، بل بقرارنا السلبي المتعلق بتسليم جميع امور حياتنا، وحتى البديهي والتافه منها، لرجال إفتاء لا يتميزون عنا بشيء سوى رغبتهم في ان يقولوا لنا إن حياتنا يجب ان تدور في فلكهم وحدهم.
فعندما يحتاج العقلاء وكبار السن منا، بعد مرور اكثر من 14 قرنا على ظهور الإسلام، وألف عام على انشاء الأزهر، ومائة عام على التعليم الديني في الكويت، وثلاثة أرباع القرن على التعليم المنتظم فيها، عندما نحتاج بعد كل هذا لمن يبين لنا بأن تجاوز اشارة المرور الحمراء امر مخالف للشرع، وأن بيع الماعز، وليس الصواريخ البالستية، بأسعار خيالية محرم، وان السماح للأولاد بقيادة المركبات، وليس السفن الحربية، داخل 'جواخير' او حظائر الماشية أمر لا يجوز، وان صلاة الجمعة تجب على من يذهب الى مناطق حظائر الماشية، وكأننا شعب يعيش بين المواشي، واننا يجب ألا نغش ونخدع ونكذب على الحكومة بالقول إننا نمتلك ماشية لكي نحصل على قطعة ارض مجانية منهاِ وعندما يصبح بيع المواد الغذائية المدعومة والاعلاف أمرا محرماِ عندما نحتاج الى تدخل اطراف لا حول لها ولا قوة لكي تبين لنا الحلال من الحرام في مختلف بديهيات الحياة، تاركين القوانين والانظمة وما يمليه العقل جانبا، فإن هذا يعني ان خللا منا يكمن في فهمنا للأمور وان حاجتنا للعلاج امر اكثر من واجب.

إن معركتنا الحضارية لا تكمن في التحضيرات الوهمية التي تدعي الكثير من الانظمة انها 'بصدد' القيام بها لمحاربة اسرائيل والقضاء عليها ورمي شعبها في البحرِ بل ان معركتنا الحقيقية تكمن في محاربة الجهل الكامن في نفوسنا، وفي الهوان الناجم عن تخلفنا في كل مجال بدون استثناء.

إن هناك ما يزيد على ستة مليارات شخص في هذا الكون يمارسون حياتهم بطريقة لا علاقة لها بتحريم بيع العلف المدعوم او بعدم شرعية تجاوز الإشارة الحمراء من الناحية الدينية، ومع هذا لا يمكن القول إنهم على خطأ ونحن على صوابِ فقضايا التحريم الواردة في مختلف النصوص الدينية لا يتم التعامل لدى مختلف شعوب الارض معها بتلك الطريقة التي نتعامل بها نحنِ فالحرام، بحسب النصوص، بين، والحلال بينِ اما بقية الأمور الأخرى فتحكمها قوانين وضعية واضحة تبين مدى المخالفة وبالتالي مدى العقوبة المطلوب تطبيقها على المخالف.
فلا نفع ولا ردع من القول إن بيع العلف المدعوم في السوق، او تجاوز الاشارة الحمراء امر محرم والاكتفاء بذلكِ بل يتطلب الأمر، كما هي الحال مع بقية اهل الأرض، تحديد المخالفة او الجريمة وتحويلها إلى جهة الاختصاص للاحتكام في الامر وتوفير فرصة الدفاع ومن ثم اصدار الحكم وتنفيذ العقوبة، إن تطلب الأمر ذلك.
اما ما تقوم به مختلف الشخصيات الدينية من تحريم لهذا الأمر، او تحليل لغيره فإنه لا يعدو ان يكون عبثا وتضييع وقت ومصدر ارباك شديد للعامة هم في غنى عنه.
ولكن من الذي سيكترث حقا لمثل هذا المنطق؟

زوار الموقع
الارشيف

Back to Top