حضارة وحقارة

من المفارقات المضحكة، او بالاحرى المبكية، اننا عندما نريد السخرية من شخص او وضع ما فإننا نصف ذلك الشخص ب'الهندي'ِ او نتساءل: هل تعتقد انني هندي؟ ووجه المفارقة يكمن في ان هذا الشعب الذي يبلغ تعداده تقريبا اربعة اضعاف تعداد الشعوب العربية مجتمعة، والذي يتواصل داخليا من خلال العشرات من اللغات الرئىسية والمئات الثانوية وآلاف اللهجات، والذي يدين بكل دين عرفته البشرية منذ فجر التاريخ وحتى اليوم، أصبح صاحب اكبر اقتصادات العالم نموا، واصبح، بعد سنوات من السياسات الحكيمة، مكتفيا ذاتيا بكل احتياجاته من ملايين السلع والمواد، خاصة الطعامِ كما تعتبر الهند ليس فقط من اكبر ديموقراطيات العالم الحية، بل ومن اعرقها، حيث نمت تجربتها الديموقراطية، منذ استقلالها عن بريطانيا في اواخر اربعينات القرن الماضي، لتصبح مثالا يحتذى على مستوى العالم اجمع.
قامت الهند، خلال الأيام الأولى لاحتلال الكويت من قبل قوات صدام الحقير، بأكبر عملية نقل مدنية انسانية في تاريخ البشرية، وذلك عندما قامت مختلف وسائل النقل لديها بالاتجاه الى المنطقة، التي تبعد آلاف الاميال عنها، واعادت ما يقارب من ربع مليون مواطن هندي عامل في المنطقة الى وطنهم على نفقة الحكومة، وهو الامر الذي لم تجرؤ اي حكومة من حكومات 'خلي علينا يا ريس' من الاقدام عليه، على الرغم من قربها من موطن الكارثة.
***
نقول ذلك بمناسبة قيام الحكومة الهندية بالتحرك بسرعة لمواجهة الاحداث الارهابية التي وقعت أخيرا في المنطقة، ومحاولة حماية مواطنيها العاملين لدى الشركات الكويتية والسعودية والاردنية من الخطف والقتل في العراق، وذلك عن طريق منعهم من السفر اليهاِ كما قامت السفارة الهندية، بإيعاز من حكومتها، بفرض 'عقد عمل' محدد على كل رب عمل كويتي يرغب في الاستعانة بالعمالة الهندية، والذي لا يمكن بدون التوقيع عليه جلب اي عمالة من الهند.
حدد العقد امورا غاية في الاهمية ـ حسب علمي لم تفكر حتى الآن اي حكومة من حكومات 'بالروح بالدم نفديك يا آغا' في مثلها ـ حيث نص العقد على الامور التالية، وان كان بعضها منصوصا عليه في قانون العمل الكويتي، الا انها غير معروفة للسواد الاعظم والاجهل من المواطنين والمقيمين ومن العمال ايضا:
نص العقد على ان العامل يعمل لثماني ساعات يوميا فقط، و6 أيام اسبوعياِ يتقاضى العامل، بموجب قانون العمل، اجرا عن اي ساعات عمل اضافيةِ تكون كافة مصاريف، او غرامات الحصول على اقامة للعامل من مسؤولية صاحب العمل، وهو امر لا يطبق في كثير من الشركات والمؤسسات الخاصة.
في حال وفاة العامل، يلتزم صاحب العمل بدفع تكاليف ارسال جثته الى بلاده، بعد سداد كافة مستحقات المتوفى لورثته او للسفارة الهنديةِ في حال قيام صاحب العمل بإنهاء عقد العامل قبل انتهائه، فإنه يكون مسؤولا عن دفع تكاليف عودته لبلاده، وهو الامر غير المتبع حاليا، بسبب تراخي مختلف الاجهزة الحكومية عن تنفيذه.
كما يتحمل صاحب العمل مسؤولية سداد كافة مصاريف عودة العامل لوطنه عند انتهاء عقده.
***
ان هذه الاجراءات الحضارية لا تحمي حق العامل فقط، بل تحمي الكويت وسمعتها من التصرفات الحقيرة التي يقوم بها البعض والتي تتسبب في الاساءة إلى الكويت، مواطنين ودولة، في كل قرية وشارع ومدينة اجنبيةِ وعليه ندعو كل سفارة لديها عمالة في الكويت الى الاقتداء بما قامت به السفارة الهندية، لكي نضع جميعنا حدا لمن يحاول الاساءة الى الكويت، او لمن يعمل فيها.

زوار الموقع
الارشيف

Back to Top