ضباب القومية

بعد أربعين عاما تقريبا أقر الرئيس الفلسطيني، غير المنتخب، ياسر عرفات، بأنه قد يكون ارتكب أخطاء! كما اعترف بوقوع ممارسات خاطئة ومرفوضة من 'بعض' المسؤولين من حوله الذين استخدموا مواقعهم وأساءوا إلى أمانة وظائفهم!
وحيث ان إساءة الأمانة من بعض الرفاق 'الثورجية' لم تحدث البارحة، فإن السؤال الذي يطرح نفسه ويتقلب على جانبيه وهو مطروح: أين كان الرئيس من هؤلاء؟ ولماذا لم يتخذ أي إجراء إداري ضدهم؟ ولماذا تقوم كوادر فتح بقتل المتهمين بالتعامل مع إسرائيل، وليس المدانين، وسحلهم في شوارع غزة و الضفة الغربية، من دون محاكمة أو تحقيق علنيين، وتقوم في الوقت نفسه بغض النظر عن مئات الخونة الذين امتصوا دم الشعب الفلسطيني وسرقوا أمواله؟ ولماذا لم يلتفت أحد إلى تصريحات رئيس الصندوق الوطني الفلسطيني التي صرح بها مؤخرا، ودان فيها القيادة كلها بالسرقة؟ ولماذاِِِ نكررها، وغيرنا، عشرات المرات من دون ان نسمع أي جواب؟ قلت في بداية المقال إن ياسر عرفات الذي تعب وهو يحاول رفع قامته ليصل إلى مستوى خد الرئيس السابق والحقير الحالي صدام حسين، ليطبع عليه قبلاته اللزجة والكويت ترزح تحت الاحتلال، قلت إنه تأخر في الاعتراف بالأخطاء والسرقات لأربعين عاما فقط! ولهذاالأمر قصة كنا طرفا عاديا فيها.
ففي منتصف الستينات، عندما قام ياسر عرفات بتأسيس حركة 'فتح' منطلقا من الكويت ومستعينا بأموالها، كنت أعمل في أحد المصارفِ وكانت حسابات حركة 'فتح' موجودة في ذلك المصرفِ وكان ياسر عرفات يوقع على تلك الحسابات منفرداِ وأتذكر أن الحساب كان يدار بطريقة تقرب إلى العلنية بسبب طبيعة الدعم المادي والمعنوي الذي كانت تجده كوادر الحركة في الكويت التي لم يتردد ياسر عرفات في عض أيدي كل مواطنيها والتنكر لهم ولفضلهم عليه بعد ذلك.
وبسبب طبيعة عملي في إدارة حسابات البنك ومسؤوليتي المباشرة في ذلك الوقت عن تدقيق التواقيع على جميع أوامر الصرف والشيكات الواردة إلى البنك، فقد كانت أوامر الدفع الصادرة عن 'الرئيس' تحظى باهتمامي الخاص، وكنت ألاحظ أن الأموال التي كانت تدفع، او تحول مصرفيا، في أحيان كثيرة، كانت تذهب إلى جهات لا علاقة لها بالمقاومة أو الجهادِ وكان غالبية موظفي البنك، ومن الفلسطينيين بالذات، يشاركونني في ذلك التساؤل برفع حواجبهم والصمتِ فالخوف من المسؤولية وعدم الرغبة في إثارة موضوع بمثل تلك الخطورة لم يكن يعنيهم كثيراِ كما حال ضباب السخف القومي الذي كان يغطي أعيننا في تلك الأيام العصيبة التي كانت تمر بها أمتنا، ولا تزال، دون أن نقوم بإثارة الموضوع مع أي طرف، خصوصا أن صغر سننا وقلة خبرتنا لم يكونا يسمحان لنا بتجاوز الكوادر النضالية على الساحة الفلسطينية.
نكتب هذا للتاريخ ليس إلا، ولكن متى كان للتاريخ أهمية عندنا؟!

ملاحظة:
شارك مئات آلاف الأوروبيين والأميركيين في إدانة التدخل الاميركي في العراقِ كما قامت التظاهرات المنددة بالغزو، وكتبت عشرات الكتب وآلاف المقالات في إدانة الحرب وتأبين ضحاياهاِ ولكن لم يعرف كل هؤلاء حلاوة التخلص من طاغية مثل صدام! 'فاغفر لهم يا أبت فإنهم لا يعلمون ماذا يفعلون'.

زوار الموقع
الارشيف

Back to Top