قصة 'إيماءة' من الإنترنت

عندما كنت في السنة الأولى من الثانوية، شاهدت 'كيلي'، أحد أولاد فصلي عائدا إلى منزلهِ وبدا لي أنه كان يحمل على يديه جميع كتبه المدرسيةِ وتساءلت عن السبب الذي يدعوه إلى حمل كل تلك الكتب في آخر يوم في الاسبوع؟ لابد أنه ولد غريب الأطوار! ذهبت إلى حال سبيلي غير مكترثِ وفجأة شاهدت مجموعة من صبية المدرسة تنطلق نحوه وتدفعه أرضا فتطايرت نظارته الطبية في الهواء وتساقطت كتبه على التراب.
نظرة الحزن العميقة في عينيه جعلتني أشعر بانقباض شديد، الأمر الذي دفعني لأمد له يد المساعدة وأنا أشاهد حيرته وارتباكه وهو يحبو على الارض ويداه تمسحان فيما حوله بحثا عن نظارتهِ وما ان ساعدته في العثور عليها حتى شاهدت الدموع تملأ عينيهِ قلت له إن أولئك الصبية أشقياء حقيقيون وسينالون عقابهمِ نظر إلي ذلك الصبي وقال بصوت خافت 'شكرا'ِ ورأيت على وجهه ابتسامة لن أنساها فقد كان فيها امتنان كبيرِ ساعدته في تجميع كتبه التي تطايرت في كل مكان، وعندما سألته عن مكان سكنه تبين أنه يقع بالقرب من منزلنا، وعندما استفسرت منه عن سبب عدم رؤيتي له من قبل، قال انه كان طالبا في مدرسة داخلية.
صحبته إلى منزله وأنا أحمل بعضا من كتبه، واكتشفت من الحديث معه أنه لطيف ومهذب ويحسن الكلام ويمتاز بذكاء واضحِ وعندما سألته إن كان يرغب في لعب الكرة معنا عصر ذلك اليوم رد بالإيجابِ وهكذا قضينا عطلة نهاية الأسبوع معاِ وكلما زادت معرفتي ب'كيلي'، ازددت إعجابا به، وكان هذا شعور بقية أصدقائي.
مع بداية الأسبوع، عاد 'كيلي' وهو يحمل رزمة كبيرة من الكتب معه، فأوقفته وسألته عن سبب ذلك، وقلت له ضاحكا إن عضلاته سوف تنمو وتكبر سريعا إن استمر في حمل كل هذه الأثقال ذهابا وإيابا، فضحك ولم يقل شيئا، وكانت تلك آخر مرة أشاهده فيها يحمل كل تلك الكمية من الكتب!
توطدت علاقتي ب'كيلي' على مدى سنوات الدراسة وأصبحنا أصدقاء حقيقيينِ عند نهاية الفصل الرابع قرر الالتحاق بجامعة محددة ليصبح طبيبا وقررت أنا دراسة المحاماة في جامعة أخرى تبعد عن جامعتهِ ولكننا كنا نعلم بأن الأميال لن تعني شيئا أمام صداقتنا.
وجاء يوم التخرج وكان على 'كيلي' إلقاء الكلمة نيابة عنا جميعا، حضر كيلي في ذلك اليوم بملابس أنيقة وبدا وسيما بنظارته وسعيدا بما أنجز، فقد كان من أوائل طلبة المدرسة في المواد كافةِ وكان محبوبا من الجميع، وكانت شعبيته بين الفتيات والفتيان محل تنافسِِ باختصار، كان طالبا متميزا في كل شيءِ عندما هم بصعود المنصة شعرت بتردده فوقفت بجانبه ودفعته إلى الأمام لأشجعه، وهنا نظر إلي، فشاهدت حينها في عينيه النظرة نفسها التي سبق أن رأيتها عندما هرعت لمساعدته أول ما التقينا، وقال لي بصوت خافت 'شكرا'! وصعد إلى المنصة وبدأ خطبته بالقول إن يوم التخرج مناسبة لشكر أولئك الذين مدوا لنا يد المساعدة خلال سنوات الدراسة الصعبة: الوالدان، المدرسون، وربما المدرب والأخوة والأخواتِ ولكن الأهم شكر الأصدقاءِ وعندما قام بسرد قصة أول لقائه بنا يوم وقع على الأرض وتناثرت كتبه وتطايرت نظارته، شعرت بحرج من الأمرِ واستطرد قائلا إنه كان ينوي في ذلك اليوم الانتحار وقتل نفسه، بعد أن يئس من حياته وكل العذاب الذي كان يجده في المدرسة، وكيف أنه قام بتنظيف خزانته في ذلك اليوم من كل ما كان فيها، لكي يوفر على والدته معاناة تنظيفها من بعدهِ وقال إن تدخلي لمساعدته في ذلك اليوم أنقذ حياته بعدما كان مصمما على التخلص منها، وبعد أن شعر بان هناك من بإمكانه الوقوف معه!ِ وهنا سمعت همهمة تسري بين الحضور، وبالعرق البارد يتصبب مني، بعد أن اعترف لنا هذا الطالب المميز والمحبوب بساعات ضعفه وقلة حيلته، والتقت عيناي بعيون والديه وشاهدت نظرات الشكر العميقة تملأها.
وعلمت وقتها أننا يجب الا نستهين بأي حركة أو إيماءة نقوم بهاِ فقد تؤدي إيماءة خاطئة إلى تحطيم حياة إنسان، وقد تؤدي أخرى إلى صنع حياة!

زوار الموقع
الارشيف

Back to Top