أين ذهبت المليارات؟

أستطيع القول إنني عشت فترة طويلة نسبيا في أوروبا والولايات المتحدةِ كما بإمكاني الإدعاء بأنني خالطت، من خلال مجتمعات وتجمعات معينة، أكثر العرب ثراء في أوروبا وأميركاِ وطوال تلك الفترة قابلت أو تعرفت أو سمعت أو شاهدت أو قرأت عن أثرياء من الكويت والسعودية والإمارات وإيران وقطر ونيجيريا والعراق ومصر والبحرين وغيرهم الكثير من الدول العربية وغير العربية من منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا.
كما لمست وشاركت وسمعت وقرأت عن الكثير من المشاريع الاستثمارية الضخمة التي شارك فيها مواطنون من الخليج وأفريقيا والشرق الأوسطِ فكانت هناك صفقات شراء أندية رياضية ومحلات تبضع عالمية ومتاجر جملة معروفة وشركات بترول ومصارف ومحال مجوهرات وغير ذلك من المشروعات التجارية والاستثمارية.
ولكني لم اسمع قط عن مشروع واحد، ناجح أو فاشل، شارك فيه 'مليونير' من ليبيا! ولم اسمع قط عن مشروع استثماري شاركت فيه حكومة القذافي منذ ثورة الفاتح من سبتمبر في عام 1969 وحتى اليوم، بخلاف استثمار بائس وسيئ في أسهم شركات 'فيات' الإيطالية، واستثمار فاشل آخر في ناد رياضي ايطالي، والذي جاء من منطلقات 'نفسية' أكثر منها تجارية بحتة، بسبب ماضي ايطاليا الاستعماري في ليبيا.
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا يتعلق بمصير أموال البترول التي قبضتها ليبيا طوال السنوات الخمس والثلاثين الماضية التي تقارب ال 500 مليار دولار، وفي دولة محكومة من شخص واحد ولا تعرف أو تعترف بموازنات دولة سنوية أو شهرية!
فلو افترضنا ان أركان النظام، الذين تولوا قيادة مختلف مؤسسات الدولة في فترات مختلفة، هم الذين سرقوها فأين ذهب هؤلاء بأموالهم؟ ولماذا لم نسمع بأسماء هؤلاء أو بأسماء أبنائهم في أي عمل أو مشروع تجاري خارج وطنهم؟
علما بأن المواطن الليبي العادي محروم من أمور كثيرة، ومستوى معيشته، بالرغم من تعداده الذي لا يتجاوز الملايين الثلاثة بكثير، لا يمكن مقارنته بمستوى معيشة المواطن الخليجيِ كما لا يمكن القول ان طرابلس الغرب أو بنغازي، دع عنك مدن الصحراء النائية الأخرى، يمكن اعتبارها مدنا عصريةِ فما انفق فيها على البنية التحتية والفوقية والوسطية، خلال السنوات العشرين الماضية، لا يكاد يساوي كثيرا.
ويبقى السؤال: أين ذهبت أموال ليبيا؟
فلو افترضنا ان 20 مليارا منها ضاعت على تمويل الحروب والثورات الخيالية العالمية في مختلف الدول الأفريقية، ولو افترضنا كذلك ان عشرين مليارا أخرى ذهبت للصرف على مؤامرات الاغتيال والانقلابات البدائية في مختلف الدول العربية، ومبلغا مماثلا لخلق صراعات طائفية هنا وهناك، ولو قدرنا ان ما صرف على تجارب صنع أسلحة دمار شامل فاشلة، والتي تم اعادة شحنها قبل أسابيع بصناديقها الى أميركا، يبلغ عشرين مليارا أخرى، ولو خمنا ان ما صرف على تسليح الجيش الليبي يكاد يتجاوز المائة مليار دولار، صرف معظمها على شراء طائرات حربية لم تتحرك عجلاتها 'قيد أنملة'، حلوة قيد أنملة هذه، عن الأماكن التي سبق وان هبطت عليها بقيادة طياريها الفرنسيينِ لتبقى لدينا بعد كل ذلك مبلغ هائل لا يمكن تصور حجمه.
ويبقى السؤال الذي لا يزال يحير مختلف أجهزة مخابرات الدول الغربية بالذات ـ بعد ان تفرغت أجهزة مخابرات دولنا المتخلفة لقضايا تمديد ولايات الرؤساء أو تنصيب أبنائهم خلفا لهم ـ أين ذهبت كل تلك الثروة الهائلة؟ِِ يبقى هذا السؤال المحير والغامض دون جواب!

زوار الموقع
الارشيف

Back to Top