هل نفهم فضيلة التسامح؟

أربكت عملية تحديد واعادة تحديد يوم الوقوف بعرفة، وبالتالي معرفة بداية عيد الاضحى الماضي، حياة مئات آلاف الحجاج وشركات الطيران ومكاتب السفر.
ونجم كل ذلك بسبب الإصرار الغريب على ضرورة التيقن من رؤية هلال بداية الشهر القمري بالعين المجردة، دون الاستعانة بنظارة او مجهر مكبر، او حتى تصديق تقرير صادر عن مرصد فلكي محلي او عالمي، في الوقت الذي يصر فيه القادة الدينيون، قبل غيرهم، على الاستعانة بمختلف الوسائل والاختراعات الحديثة في حياتهم، سواء ما تعلق منها بالترحال الى اي جهة كانت، الى البيت العتيق او الى غيره، او في مختلف وسائل معيشتهم الاخرى! وقد تسببت هذه الاشكالية في تحول ظاهرة رؤية هلال بداية الشهر الى تظاهرتين سنويتين في شهري رمضان وذي الحجة من كل عام، بحيث اصبحت الرؤية هي الهدف والمبتغى ِِ وليس الاحتفال بالمناسبة وكفى !
وعلى الرغم من اذعان جميع المسلمين لقرار تغيير بداية العيد لارتباطه ببدء وانتهاء شعائر الحج، فإن فئة منهم ابت الا ان تحتفل ببداية العيد ونهايته حسب توقيتها الديني الخاص! وبهذا لم يحتفل اصحاب هذا الرأي، بالعيد الاخير الذي تصادف وقوعه يوم الخميس، بل رحلوا الاحتفال به إلى اليوم التالي، الجمعة، وهو الامر الذي فاجأنا حقا!
يمكن فهم مثل هذا التأخير او التقديم، الى حد ما، في تحديد بداية او نهاية شهر الصيام، ولكن يصعب 'بلع' الإصرار على تأخير او تقديم الاحتفال بعيد الاضحى حسب برنامج شخصي وخاص، الا اذا كانت درجة التعصب للمعتقد شديدة بحيث اجازت لهؤلاء الوقوف ببيوتهم في اليوم التالي لوقوف الملايين بعرفة، والاحتفال بالعيد في اليوم التالي لاحتفال مئات الملايين به!
ان هذه الدرجة من الاختلاف مع الآخرين في موعد بداية او نهاية بدء شعائر الحج لا يمكن ان يفهم الا بكونه عنوانا او مؤشرا للغلو التام في فهم الدينِ وهو الغلو او التطرف نفسه الذي ادى بنا الى ما نحن فيه من تشرذم وتخلف وعناد وكره ونبذ للآخر الذي نختلف معه.
من حق اي انسان الاختلاف مع الآخر، طالما كان ذلك الاختلاف في حدود معقولة، وطالما كان غير ضار بمصلحة الوطن وسلامة المجتمع، والأهم من ذلك ان يكون تأثيره مقتصرا على الفرد نفسه، ولكن عندما يمتد هذا التأثير الى الآخرين، من اهل واقرباء واصدقاء هذا الطرف او ذلك الفرد او المجموعة، فان الخطورة تكمن في امكان اتساع دائرة الاختلاف واساءة فهمه وتعميمه بحيث يشمل دائرة اوسع، ويكون الرفض بالتالي اشد وطأة واكثر تأثيرا، ودموية!
ويعتبر الاختلاف في 'العقيدة او الدين' من اخطر انواع الاختلافات، وبين المسلمين بالذات، حيث يبدأ الامر عادة بالاختلاف على التافه من الامور ثم يمتد ليشمل الكثير من الامور ثم ينحصر في الخطير منها.
اننا بحاجة حقا الى فهم فضيلة التسامح وفهم الآخر وتقدير ظروفهِ فبغير ذلك لا يمكن ان نتعايش مع الآخر بسلام.
ولكن من الذي قال ان هؤلاء يكترثون اصلا بموضوع العيش مع الآخر، ايا كان هذا الآخر، بسلام؟!

زوار الموقع
الارشيف

Back to Top