كيف نقتل النفس ونحرم ما نشاء؟

لأسباب دينية معروفة تمنع تشريعات الاحوال الشخصية في الغالبية العظمى من الدول الاسلامية تبني مجهولي الوالدين، وتنص قوانين وانظمة وشرائع وقواعد كافة دول العالم الاخرى، وهنا اتكلم عن الدول التي لديها دساتير وقوانين، على ان جنسية الدولة تمنح لمجهولي الاب او الام فورا وبدون اي قيود او اجراءات او بحث وتمحيص او سؤال او استفسار، لا لشيء الا لان لا حل هناك غير منح هؤلاء جنسية الدولة التي ولدوا او وجدوا فيها، سواء كمولود مجهول الاب في مستشفى او كلقيط وجد على الطريق لوالدين غير معروفين!
الكويت وحدها بقانونها المجحف شذت عن هذه القاعدة الانسانية المنطقية البسيطة، حيث نصت المادة 3 من المرسوم 15/1959 (اي الذي صدر قبل نصف قرن تقريبا) الخاص بمنح جنسية الدولة لمجهولي الوالدين على ان الجنسية تمنح فقط لمجهولي الاب ومعلومي الام، شريطة ان تكون هذه كويتية!
وهذا يعني ان مواليد مجهولي الوالدين لا تمنح لهم الجنسية الكويتية فور الاهتداء اليهم، كما لا تمنح هذه الجنسية للمواليد من امهات غير كويتيات في حال كان الاب غير معروف! وهذا يعني اضطرار هؤلاء الى البقاء ثمانية عشر عاما كنزلاء في دور رعاية اجتماعية حكومية، وبعدها ينظر في موضوع منحهم الجنسية الكويتية على اساس الاسم الذي تم اختياره لكل منهم من قبل وزارة الشؤون!
وقد ورد في الصحف مؤخرا ان وزارة الشؤون الاجتماعية بصدد رفع مذكرة إلى مجلس الوزراء للموافقة على تعديل نص المادة 3 من المرسوم اعلاه، بحيث يمكن منح الجنسية الكويتية فورا لمجهولي الاب ومعلومي الام حتى ولو كانت هذه غير كويتية.
بالرغم من انسانية هذا الطلب، فاننا نأمل ان يوافق مجلس الوزراء عليه للتخفيف من معاناة سيئي الحظ هؤلاء، وعدم التسبب في خلق مشاكل نفسية واجتماعية هم في غنى عنها، خاصة انهم سيصبحون بحكم الواقع والزمن مواطنات ومواطنين كويتيين!.
كما يجب على مجلس الوزراء كذلك العمل على التخفيف من القيود الصارمة المفروضة حاليا على طلبات تبني هؤلاء الاطفال من ذكور واناث، فهناك آلاف الاسر المتعلمة والموسرة وغيرها، سواء تلك التي لم ترزق بأبناء، او تلك التي تود القيام بعمل انساني ذي مردود اجتماعي كبير، ولديها استعداد تام ورغبة قوية لتبني احد ابناء دور الرعاية، ولكن الانظمة الحالية تمنع ذلك بحجج عديدة، اغلبها يعود إلى نصوص دينية!
ولو تمعنا في تلك النصوص التي يستند اليها معارضو التوسع في قضايا التبني لوجدنا انه ليس من الصعب الالتزام بها، فالنص يمنع فقط نسبة الابناء الى غير ابائهم، وهذا معروف، ولكن النص لم يمنع التصرف حيالهم بإنسانية، ولم يضع قواعد لكيفية التعامل معهم بخلاف ذلك، وبالتالي يمكن ابداء المرونة الكافية في طلبات التبني، بعد تثبيت اسم المتبني كما اختارته وزارة الشؤون له، بحيث يمكن اخلاء دور الرعاية الخاصة من معظم نزلائها في فترة قياسية، اما التعذر بان هؤلاء قد يتم استغلالهم بطريقة غير سليمة فمردود عليه، فما 'قد' يتعرض له البعض من هؤلاء من استغلال امر لا يقارن بما يلاقونه الان من معاناة نفسية كنزلاء في دور رعاية لا تعرف الرحمة والحنان! كما يمكن القضاء بشكل شبه كامل على موضوع اساءة استغلال هؤلاء من قبل الاسر التي تقوم بتبنيهم من خلال انظمة الزيارة والمراجعة الدورية لهم في اماكن سكنهم للاطمئنان على احوالهم!
ان المنطق، قبل المشاعر الانسانية، يقول ان من صالح مجهولي الوالدين هؤلاء ومن صالح من يرغبون في تبنيهم ومن صالح المجتمع ككل تشجيع التبني وتفريغ دور الرعاية الاجتماعية من نزلائها من الفتية والفتيات، فما يحدث من ظلم انساني واجتماعي ونفسي في تلك الدور لا يجب قبوله تحت اي ذريعة كانت.
نأمل ان يتجاوب وزير الشؤون الاجتماعية 'الانسان' مع طلبنا هذا.

زوار الموقع
الارشيف

Back to Top