ما أكثر السفهاء بيننا

لم أكن اود الخوض في موضوع المطالبات النيابية المتعلقة بالغاء ديون المواطنين للبنوك المحلية عن طريق سداد كامل قيمتها من المال العام، وذلك لما اعتقدته في حينه بأنها دعوات باطلة وغير طبيعية، وستموت من تلقاء نفسها من شدة سخف المطالبين بها، ولكن يبدو اني كنت مخطئا، فقد استمرت المطالبات وتعالت اصوات المؤيدين لها وتزامن ذلك مع خفوت اصوات المعارضين العقلاء من حكوميين وغيرهم.
من المهم ان نؤكد هنا أن ما ادعاه النائب بورمية عن وجود 100 الف مواطن مطلوبين للضبط والاحضار غير صحيح بتاتا، لكي لا نقول كلمة اقسى من ذلك في وصف ادعائه، ومع افتراض وجود مثل هذا العدد من المعسرين فإن سداد ديونهم اليوم سيدفعهم دفعا وآخرين غيرهم للتكالب في اليوم التالي على البنوك للحصول على قروض غيرها لصرفها على التافه من الامور، فما اكثر السفهاء بيننا لتستمر الحلقة الجهنمية!!
لقد قمت بعد التحرير بفترة وجيزة باجراء عملية حسابية معقدة عن التكلفة المقاربة للحقيقة التي تحملتها الدولة نتيجة كرمها الذي لم يكن يحلم احد به والذي جاء في فورة غير عقلانية من الفرح والسرور وعدم التصديق بتحرير الكويت، فتبين لي بأنها قربت من مبلغ 7 مليارات دولار اميركي!! وهذا المبلغ لا علاقة له بتكاليف التحرير ولا بإعادة اعمار البلاد، بل بالقروض الاستهلاكية وسعر صرف الدينار ومديونيات البنوك وفوائد فترة الغزو وقروض بنك التسليف ومنحة ال500 دينار وتحويلات المقيمين، وغير ذلك الكثير.
لقد خالف ذلك الكرم الحكومي غير المعقول والمقبول واحدا من اهم المبادئ التي وردت في كتاب 'الامير' لمكيافيللي، فباعتقاد مكيافيللي يجب على الحكومات او ارباب العمل وغيرهم عندما تدفعهم الظروف لاصدار قرارات قاسية، انزال تلك العقوبات وفرضها دفعة واحدة من دون ترددِ سيتذمر الشعب او الموظف ويشتكي ويتلوى ويضرب ويتوقف عن العمل، ولكن بعدها بأيام ينسى الامر ويتأقلم مع الظروف.
اما في حالة المنح والعطاء فإن الاجراء العكسي هو الاسلم، حيث يصبح من الافضل صرف تلك المنح والعطايا والتخفيضات نقطة نقطة لكي يستمر الحمد ويستمر الشكر ويستمر الامتنان.
فلو قامت حكومتنا الرشيدة مثلا بعد التحرير باسقاط عشرة في المائة من ديون المواطنين المستحقة للبنوك في السنة الاولى وتلتها نسب اخرى في السنوات التالية ولو قامت باعفائهم من عشرين قسطا مستحقا من اقساط ديونهم لبنك التسليف في السنة االاولى وغيرها بعدها، ولو تزامنت اجراءاتها هذه مع رفع تدريجي لسعر الدينار من 2.5 دولار وهو السعر الذي تقبله الناس اثناء الغزو بكل سرور والذي مثل قيمة الدينار الحقيقية وقتها بنسبة ربع نقطة مثلا كل شهر، ولو لم تقم الحكومة بصرف كافة ودائع البنوك مع فوائدها لاصحابها طوال فترة الغزو كاملة بسعر الصرف السائد قبل الغزو وووووعشرات ال 'ولو' الاخرى التي كلفتنا المليارات السبعة تلك، لما وصلت الحال بنا الى هذه الدرجة من قلة العقل، بحيث يطالب البعض من مشرعينا باسقاط ديون المواطنين المستحقة للمصارف المحلية، ولما تكالب آلاف المواطنين على البنوك في الايام القليلة الماضية طالبين منحهم الحصول على القروض، على امل ان يشملهم قرار اسقاطها!! الامر مؤلم والكلام كثير والحيز ضيق، ولكن يبدو ان مؤشر قياس المنطق في عقولنا اصبح اكثر اهتزازا من قبل.
ملاحظة: في سعي النائب للحصول على تعاطف السذج معه ذكر أن احد المواطنين اضطر للاقتراض من احد البنوك لعلاج ابنه من حروق خطرة اصيب بها، وعند عودته 'صدم' ذلك المواطن عندما علم بأن المتبقي من راتبه الشهري لا يزيد عن 200 دينار، بعد ان حسم البنك 700 دينار كقسط شهري.
ليسمح لنا هذا النائب من واقع خبرتنا المصرفية الطويلة ان نكذب خبره هذا جملة وتفصيلا، فلا يوجد بنك على استعداد لاقراض مواطن مبلغا من المال يبلغ قسط سداده الشهري 700 دينار، في حال كان راتبه لا يزيد عن 900 دينار، اما مبلغ القسط الذي ذكر النائب بأنه شكل مفاجأة للمواطن فهذا غير صحيح ايضا فقروض البنوك، حسب علمنا، لا تمنح في غرف مظلمة، ولا تتم تحت التهديد، بحيث لا يعلم المقترض بقيمة القسط الا بعد حلوله!! قوية منك يا بورمية!!
نتحدى النائب ان يثبت لنا صحة ادعائه ونحن على استعداد للاعتذار له وسداد كامل مبلغ ذلك المواطن من حسابنا، ان تقاعست الجمعيات الخيرية، وما اكثرها واقل نفعها، عن مساعدته!!

زوار الموقع
الارشيف

Back to Top