السيد خراش

يرى البعض أن هناك قوى دولية عظمى تتزايد قوتها باستمرار، وأن واحدة منها ستأخذ مكان الولايات المتحدةِ ولكن اخرين يرون أن الولايات المتحدة ستحتفظ بمركزها ولكن ستنشأ بجانبها قوى أخرى لا تقل عنها تقدما، أي سيصبح العالم متعدد الأقطاب.
وهذا التهديد الخطير لوضع اميركا، كونها القطب الأوحد، والذي يأتي من دول كالهند والصين والبرازيل واليابان، دفع أميركا في سعيها للاحتفاظ بمكانتها الرائدة، في السنوات الأخيرة لان تعيد النظر في الكثير من حساباتها، ومن ضمن ذلك زيادة ما تقدمه من إغراءات لاستقطاب العقول المهاجرة، وخاصة من الموهوبين والمبدعين في المجالات العلمية والتكنولوجية ومن مختلف دول العالم وذلك لكي تزيد من قدراتها التنافسية وتقدمها العلمي على منافسيها!
وقد شعرت قوى العالم الاخرى بخطط اميركا في هذا الصدد فقامت بدورها بتوفير مناخ افضل للموهوبين لديها لحثهم على عدم الهجرة، والبقاء في اوطانهمِ فالعقول البشرية المميزة هي التي تخلق الحضارات وليس العكس صحيحا بالضرورة!
يحدث ذلك في الوقت الذي يشعر فيه البعض من سياسيينا بالعار لوجود مواطن أو أكثر بيننا، لا لشيء الا لان اسماءهم غير مألوفة ضمن سيمفونية الاسماء التي تعودنا على سماعها في القرنين الماضيين! فالاسماء التي تدل على ان منبت اصحابها قد يكون من دول كالهند او ايران أو الفلبين او مصر لا تليق بدولة كالكويت! والغريب ان يأتي هذا الرفض بصورة محددة من غلاة المتعصبين الدينيين ومن لف لفهم من المنتمين للاحزاب الدينية المسيسة حتى العظم!
***
لم اكن اود ان اشارك او اساهم في التعليق والرد على ما سبق ان كتبه احد زعماء الاخوان المسلمين في الكويت في حق مجموعة من المواطنين الذين حصلوا على الجنسية أخيرا، لا لشيء الا ان اسماءهم لم تعجبه، أو لان وقعها كان شاذا على سمعه المرهف الذي لم يتعود الا على سماع أرق الاسماء وأكثرها عذوبة، وما أكثرها في محيطه!
ولكن مقال هذا الأخير في 'الوطن' الذي وصف فيه منتقديه بأنهم كالظباء التي تكاثرت على 'خراش'، جعلني أغير رأيي! فقد كتب يقول انه اسيء فهمه! فهو لم يعترض على تجنيس أناس مثل كومار ومتولي بل ضرب باسمائهم مثلا على تخبط عملية التجنيس! فبرأيه لم يقدم هؤلاء خدمات جليلة للوطن، كما قدمها رجال الجيش والشرطة الذين شاركوا في حروب 1967، 1973 و2/8/1990 بالتحديد!
***
بداية، لا ادري لماذا نصر على اعتبار عمل الجندي او الشرطي عملا وطنيا وجليلا يفوق في اهميته عمل مربي الاجيال، او الطبيب او الاطفائي او العامل في حفر آبار البترول، او المشرف على مراكز تجميع النفط الخام وحتى جامع القمامة، وغير ذلك المئات من الوظائف الجليلة والبالغة الأهمية التي يمكن ان تكون الحياة جحيما من غيرها؟
نحن لا ندعو هنا لتجنيس جامعي القمامة مثلا لان اعمالهم جليلة، على الرغم من حقيقة ان عملهم في شارع سكني واحد يفوق في اهميته عمل المئات من العاطلين عن العمل في مختلف مكاتب الوزاراتِ ولكننا نود ان نبين ان ربط جلال الاعمال باستعمال السلاح والأعمال العسكرية أمر غير سليم.
ومن الواضح ان نبذ الاعمال الخارجة عن مجالات الكر والفر واستعمال السلاح في القتل والقتال، نابع من بيئة تنظر باحتقار للاعمال التي تؤدى يدويا، علما بأن الاصابع هي التي خلقت الحضارات! بالرسم والنحت والعمارة والموسيقى والكتابة والتدوين وغير ذلك من الأعمال الابداعية العظيمة الاهمية لا يمكن ان تؤدى بغير اصابع.
ان السبب في سخريتنا وعدم تقديرنا، واحيانا كثيرة احتقارنا للاخر تعود كلها الى مجموعة من المشاعر الدفينة المتأصلة في نفوس الغالبية منا، فمثلا لا تميل غالبية المواطنين للغرباء، بل يكنون لبعضهم كراهية غريبة، ويحذرون من التعامل معهمِ فثقافة الصحراء تتطلب الحذر من الآخر وعدم الشعور بالامان منه تحت اي مسوغ كانِ كما ان الغريب عادة ما يحمل افكارا تختلف، وقد تتضارب مع ثقافة الجماعةِ وقد يؤدي انتشارها الى زيادة وعي الاخرين بأوضاعهم وبالتالي مطالبتهم بالتغيير، كما يشعر الكثيرون بأن الآخر لم يأت الى الكويت الا للعمل، وبحثا عن الرزق! ولكننا، في غمرة انشغالنا بتجميع وتكوين الثروات ولبس البشوت للتفاخر، نسينا ان دأب ساكن الصحراء، وكل انسان على وجه الأرض، كان ولا يزال، الانتقال من مكان الى اخر بحثا عن الكلأ والماءِ (ثم اضيفت اليهما الحرية أخيرا) فالبشر، ومنذ مئات آلاف السنين لم يتوقفوا يوما عن الحل والترحال من أرض الى اخرى ومن قارة الى اخرىِ كما يمكن القول ان لا احد سبق ان اختار الكويت وطنا قبل ثلاثة قرون حبا بهوائها أو غبارها او حرارتها الشديدةِ فقد كانت المنفعة هي الدافع الاول والاخيرِ وعليه، من المخجل ان ننكر على الآخر ما كان اصلا دأب آبائنا واجدادنا!
كما يمكن القول ان انانيتنا، وخوفنا من مشاركة الغريب لنا في ثروتنا هي التي دفعتنا، وستدفعنا لمعارضة منح جنسية الدولة للآخر، خاصة اذا كان الآخر الاكثر تعليما ومهارة واستعدادا لبذل الجهد، واخذ المخاطرة من المواطن، وهذه كلها ستجعله في وقت قصير في مرتبة اعلى من الاخرين! ولكن لو لم تكن الكويت بكل هذا الثراء هل كنا سنتجرأ على معاداة الآخر بكل هذه الشراسة؟!
اذا، المسألة مسألة منفعة واستحواذ اكثر منها مبادئ وقيما ومثلا!

زوار الموقع
الارشيف

Back to Top