مناقشة مقال لوزير

هل توجد وسيلة نقل مثالية من ناحية السرعة والامان والتكلفة؟
في ظل الظروف الحالية يمكن القول ان السفر جوا هو الاكثر امانا وسرعة والاقل كلفة نسبيا! ولكن هذه الوسيلة لم تكن هكذا، ولن تبقى كما هي، فسرعتها وامانها سيزدادان مع الوقت، ولكن تبقى هذه الطريقة مثالية مقارنة بالسفر على ظهور البغال والجمالِ كان لا بد من هذه المقدمة لتمهيد مناقشة آخر مقال كتبه السيد اسماعيل الشطي في 'الوطن' في 7/2 قبل ان يصبح وزيرا للمواصلات، والذي حاول فيه دحض مفهوم 'القيم الثقافية الغربية' وما يحيط بها من أوهام، حيث ذكر ان الغربيين يحاولون التمسك بموضوع 'حرية التعبير' في معرض دفاعهم عن نشر صحفهم للرسوم الكاريكاتيرية المسيئة وانهم يدعون ان حدود الحرية تلك مطلقة لا يقيدها قيد وانهم يعتقدون ان سر تفوقهم يكمن في سعة هامش الحرية لديهم، وان مكمن التخلف عندنا يعود لغيابها عندنا وهم بالتالي، حسب قوله، لا يقبلون دروسا او اعتراضات من امثالنا ضد ممارستهم لحرية التعبير.
واورد الكاتب امثلة حاول من خلالها كشف وهم قيم الثقافة الغربيةِ فما يتحدث عنه الغربيون عن علاقتهم بالديموقراطية وكأنهم امة واحدة، هو احد الاوهام! حيث يتفاوت برأيه، التراث الديموقراطي من دولة لأخرىِ فهناك دول لا تتجاوز عراقتها الديموقراطية عدة عقود، واخرى تتجاوز قرونا عدةِ كما كانت الولايات المتحدة تشكو، حتى الستينات من نظام يتميز بتفرقته العنصرية (!) من الواضح ان الكاتب يحاول هنا التقليل من اهمية الديموقراطية الغربية وانها غير متجانسة وبعضها يفتقد العراقة، ولا يحق لها بالتالي الادعاء بأنها تمثل كتلة ديموقراطية موحدة ذات تجانس سياسي! ولا ادري ان كان هناك من يدعي وجود مثل هذا الشيء ليقوم السيد الشطي بدحضه وتسفيهه، فأوروبا لم تدع يوما، ولسبب أساسي، أن ديموقراطيتها متجانسة، وذلك لتعارض ذلك مع سير حركة التاريخِ فمتى كانت الامم المختلفة تتقدم او تتطور او تتأخر بالدرجة او التسارع نفسهما، وهل للتعادل الديموقراطي علاقة بتقدم كتلة ما او تأخرها؟
كما حاول السيد الشطي التأكيد على 'وهم' آخر يتعلق بعدم صحة ما يقال ان الديموقراطية الغربية ازالت المقدسات والمحرمات من امام حرية التعبير والتفكيرِ والصحيح، حسب رأيه، انهم استبدلوا المقدس والمحرم الديني بالمقدس والمحرم الوطني، واحلوا الوطن في وجدانهم محل العقيدة الدينية (!)ِ وقال ان لا احد في الغرب يستطيع ان يسخر من الامة الفرنسية او الدانمركية مثلاِ وان فعل ذلك فسينهالون عليه ضربا (!)
لقد عشنا في الغرب وعملنا فيه واختلطنا بشعوبه وقرأنا صحفه، وشاهدنا افلامه وحضرنا مسرحياته واستمتعنا بأفلامه وموسيقاه واغانيه وكانت في مجملها ساخرة ومنتقدة لكل شيء ووضع وحالة بدون حدود او استثناء الا ما ندر، وهذا ما يمكن قبوله في الكثير من الاحوال والاوضاع التي تتعلق بأمنها، فعندما منعت تاتشر رئيسة الحكومة البريطانية مثلا طبع كتاب 'صائد الجواسيس' تفهم الكثيرون موقفها، وذلك لما في نشر الكتاب من ضرر على اوضاع محددة تصب في غير صالح امن بريطانيا ودول اخرى، اما القول ان الدانمركيين سينهالون ضربا على من ينتقد امتهم فقول يدعو حقا للابتسام.
ثم تطرق الكاتب للوهم الثالث المتعلق بما يشاع من ان حرية التفكير والتعبير مطلقة في الغرب، وعلى المتضرر اللجوء الى القضاء.
واورد الكاتب مثالا يتعلق بردة فعل بعض الحكومات الغربية على تصريحات الرئيس الايراني نجاد الاخيرة المتعلقة بحقيقة الهولوكست وكيف انهم شجبوها واستنكروها، ولم يعتبروا الامر في نطاق حرية التعبير.
وهذا صحيح، ولكن الامر لم يتعد الشجب والاستنكار، وهذا من حق اي طرف، فلم يتطور إلى تظاهرات احتجاجية في شوارع اوروبا على تصريحات نجاد، ولم تقطع العلاقات مع ايران، ولم تحرق سفاراتها وتداس اعلامها، ويطعن مواطنوها، كما يحدث عادة عندنا.
وضرب الكاتب مثلا على انعدام حرية الرأي لدى الغرب بوجود اماكن في مكتبات جامعية يحظر على الكثيرين دخولها لاحتوائها على كتب محظورة، وهذا رأي غريب حقا، فإن هم نشروا كل ما لديهم ثارت ثائرتنا وتعالت اصواتنا بالاحتجاج على نشر المحظور والممنوع، وان هم ابعدوها عن عيون البسطاء والغوغاء منا ثارت ثائرتنا وتعالى انتقادنا لهم بأنهم ضد حرية الرأي والتعبير والتفكير.
***
خاتمة:
نعود للمقدمة ونقول ان ما يمتاز به الغرب من تقدم وتحضر في مجال حرية البحث العلمي والاكاديمي وابداء الرأي والاحاسيس والنقد والاحتجاج ليس مثاليا، كما هو حال وسائل الانتقال الحالية لديهم.
فالسفر بالطائرة ليس مثاليا، ولكنه احسن واكثر امانا من الطرق المتوفرة حاليا في العالم، وان كانت لدينا طريقة احسن فلنتقدم بها.
واخيرا، يمكن القول ان الغرب كان من الممكن ان يكون اكثر التزاما وتمسكا بقيمه وبثقافته وحرياته المتعددة، لو لم يلجأ بعض السفهاء منا لتدمير كل ما له صلة بالحضارة والتعايش والاخاء، والانسانية باسم تفكير عقائدي غامض.
ملاحظة: تحل اليوم الذكرى السنوية الاولى لاغتيال الرئيس اللبناني السابق رفيق الحريري، والذي يعتبر باعتقادي اعظم سياسي ظهر في عالمنا، واعمقهم اثرا في تاريخ وطنه، كما يصادف اليوم، ويا للغرابة، 'عيد القديس فالنتاين'، والذي يعتبر عيدا للمحبين والمتزوجين على السواء، وبهذه المناسبة نبارك للجميع ونتمنى لهم السعادة ودوام الحب الجميل.

زوار الموقع
الارشيف

Back to Top