نقاط عشر وخاتمة

دعونا نورد مجموعة النقاط المتفرقة التالية ونحاول بعدها ان نجد رابطا بينها:
-1 من المعروف بشكل عام ان الشباب والمعدمين او فاقدي الامل هم اكثر فئات المجتمع طيشا وتسرعا في الحياة مقارنة بالأكبر سنا او الاكثر غنى واستقرارا في الحياةِ وهذا ينطبق على المجتمعات كانطباقه على الافرادِ وعلى هذا الاساس يمكن القول بأن النفسية 'الفدائية او الاستشهادية'، التي قاتل بها الشيعي الجنوبي اختلفت جذريا عن نفسية المقاتل، او المجند الاحتياطي الاسرائيلي المنتمي الى مجتمع رفاه القرن الواحد والعشرين في دولة متقدمة والمعزز اجتماعيا، والذي يحارب بأسلوب ونفسية وخلفية تختلف عن تلك التي يحارب فيها شاب يطلب الشهادة، وينتمي الى طبقة شبه معدمة ومحرومة من مختلف الخدمات والامتيازات التي يتمتع بها بقية مواطنيه.
-2 كتب الصديق نجيب حمد مساعد مقالا في زاوية عمه، الزميل محمد مساعد الصالح، تطرق فيه الى ظاهرة الرغبة الشديدة لدى الكثير من المقاتلين لقتل انفسهم في حروب المنطقةِ وقال اننا بحاجة لمقاتلين يرغبون في العودة لأوطانهم واسرهم وحياتهم الكريمة، اكثر من حاجتنا لمن هم على استعداد لقتل انفسهم لسبب ما، فالأوطان بعد الحروب لا تبنى بالانتحاريين!!
-3 ذكر كثير من 'الخبراء والمحللين' العسكريين الفطاحل، في القنوات التلفزيونية العربية بالذات، بأن الدروس التي تم استخلاصها من حرب حزب الله واسرائيلِ تجربة ستدرس في الكليات العسكرية، وسيعمل الجيش الاسرائيلي على تطبيق الطريقة التي قاتل بها الحزب في حروبه المقبلة!!
ولا ادري ان كان ذلك يعني ان جزءا من شعب اسرائيل سيتحول للمذهب الشيعي، او ان اجزاء منها ستحرم من كل شيء لتصبح جنوب لبنان اخرى، لكي يكون بإمكان الاسرائيلي القتال بالطريقة نفسها التي حارب بها الشيعي الجنوبي!!
-4 منذ عشية بدء الحرب بين قوات الحزب والجيش الاسرائيلي كان حزب الله سباقا في اعلان انباء الاصابات في صفوفه وصفوف العدو فور وقوعها، وكان ذلك مصدر فخر الكثيرين، خصوصا عند تأخر الاسرائيليين في اعلان ارقام الاصابات بين جنودهمِ وقد أول 'المحللون والخبراء العسكريون' وايضا في الكثير من صحفنا وقنواتنا الفضائية، استعجالنا في الاعلان عن ضحايانا و'قتلاهم'، وتأخرهم في تأكيد ما يرد في وسائل اعلامنا عن هذا الموضوع بأنه عائد لصدقنا وكذبهم! والحقيقة ربما تكون عكس ذلك، فاحترامهم لموتاهم ولمشاعر اسر قتلاهم دفعتهم دائما لإعلام ذوي القتلى قبل نشر الخبر في وسائل الاعلام لكي تعرف جميع الاسر التي لم يتم الاتصال بها، ولها ابن او ابنة في الجبهة، بأنهم لا يزالون على قيد الحياة، وهذا ما لم نفعله في جميع حروبنا مع الاسرائيليين وفي حروبنا العربية الداخلية وما اكثرها.
-5 صرح البطريرك الماروني صفير تصريحا هو الاخطر حتى الآن، فيما يتعلق بتبعات الحرب الاخيرة، حيث ذكر بأن المسيحيين سيهاجرون بشكل جماعي من لبنان في حال تسلم حزب الله للسلطة في لبنان، او بمعنى آخر مكافأته على ما فعلِ والحقيقة التي لا يمكن نكرانها ان جزءا من جمال وروعة لبنان يكمن في خليطه الطائفي، والذي سيصاب بخلل خطير لو ترك مسيحيو لبنان وطنهم لغيرهم! وقد ذكرنا تصريح البطريرك بلافتات حزب الله التي كانت تملأ منطقة الضاحية والجنوب اللبناني في منتصف الثمانينات من القرن الماضي، والتي كانت تنادي بإقامة 'دولة شيعية' في لبنان.
-6 اذا كان هدف 'حزب الله' في حربه الاخيرة مع اسرائىل توقيع اقصى الخسائر البشرية بين صفوف جنودها ومواطنيها، وتكبيد اقتصادها مئات ملايين الدولارات، وتهجير الاف الاسرائيليين مؤقتا من منازلهم وبث الرعب في نفوسهم، فقد نجح الحزب في ذلك الى اقصى حد، كما نجح في تحقيق ما عجزت جيوش دول عربية عدة عن تحقيقه في حروب عدةِ ولكن الامور تقاس دائما بنهاياتهاِ فخلال حرب 1973 نجح الجيش المصري في عبور قناة السويس، وازالة حاجز بارليف خلال ساعات، وتمكن من التوغل في عمق سيناءِ ولكن سرعان ما انتقلت المبادرة للجيش الاسرائيلي، واصبحت القاهرة مهددة بالسقوط بعد يومين من فتح 'ثغرة الدفر سوار' امام قواته، فهل اعاد التاريخ نفسه؟
-7 لا ادري حقيقة لماذا نهتم دائما، وبشكل مفرط، بإبراز عدد ضحايا الغير دون ان يرف لنا جفن لضحايانا؟ ولماذا نقبل الهوان لأنفسنا ونسترخص النفس البشرية؟ ولماذا نثير الدنيا ونقلب حياة الملايين رأسا على عقب من اجل ثلاثة سجناء في سجون اسرائيل، وننسى طوال عقود عدة، مصير مئات غيرهم في سجون اخرى؟
-8 كررنا في اكثر من مقام مقال ان دخول رجال الدين للسياسة ليس في مصلحة الدين ولا السياسةِ فهم ان كذبوا فطامة كبرى، وإن صدقوا في كل أقوالهم وتصريحاتهم فالطامة أكبر، فالسياسة كالدبلوماسية، لا يمكن ان تمارس من دون كذب ولف ودوران وتنازل وتسوية! كما ان مقياس رجل الدين فيما يتعلق بحدود وحقوق النفس البشرية في الحياة يختلف عن المقياس المدني الاكثر تقبلا للتسامح والتراضي!
-9 ان ما تردد من اقوال من ان رد الفعل الاسرائيلي القاسي والوحشي والمفاجئ على قيام حزب الله بقتل وخطف 'عدد' من الجنود الاسرائيليين لم يكن مبررا، وان اسرائيل كانت 'اصلا' تعد العدة للقيام بهذه الحرب، عاجلا أم آجلا، وان حادثة القتل والخطف لم تؤد الا الى دفع الحكومة الاسرائيلية للاستعجال في تنفيذ خطة غزو جنوب لبنان واحتلاله، كلام ما كان يجب ان يقال احتراما لعقل المواطن، ولكن متى اهتم غالبية القادة لدينا بعقول مواطنيهم، هذا اذا افترضنا ايمانهم بوجود عقول لهم اصلا؟!
فاسرائيل ما كانت لتنسحب من جنوب لبنان لو كانت تود العودة لاحتلاله بعد ست سنواتِ كما ان قيام دولة عسكرية مدججة باحدث السلاح كاسرائيل بالاعتداء على لبنان، الذي بالكاد يمتلك جيشا، كان سيثير عليها العالم اجمع! بخلاف ما هو حاصل الان حيث وقف العالم باجمعه تقريبا الى جانب اسرائيل لان حزب الله كان الطرف البادئ بالاعتداء شئنا ام أبينا!
عاشرا واخيرا من الصعب انكار ما قام به جند حزب الله 'الشيعة' من بسالة في القتال، ولم يكن الاعجاب مقتصرا على معسكر مؤيدي الحزب او المراقبين المحايدين بل امتد ليشمل قطاعات مهمة من المجتمع الدولي، وحتى الاسرائيلي! ولكن من المهم في الوقت نفسه التأكيد على ان الشيعة بالذات دفعوا الثمن الافدح في الارواح والاموال مقارنة بالخسائر التي تكبدتها الطوائف الأخرى! وعليه يجب لا يبالغ ممثلو الطائفة الشيعية في مطالبهم السياسية، ان هم اعتقدوا بانهم المنتصرون، وبانهم دفعوا الثمن الافدح.
ومن جهة اخرى يجب الا تستمر الدولة في سياسة حرمان اتباع هذه الطائفة، وغيرهم من سكان الجنوب والبقاع وعكار من الخدمات الاساسية لكي يختفي الشعور بالحرمان الذي طالما صبغ نفسياتهم لقرون!
***
من كل ذلك يمكن ان نستخلص التالي: الحرب بيننا وبين اسرائيل كانت في المبتدأ والمنتصف والخبر، وستبقى الى نهاياتها المجهولة، سلسلة من المعارك الحضارية وليست حروبا عسكرية عدة فقط، فطالما كان الانسان ذليلا خانعا ومهزوما داخليا في بيته ووطنه وشارعه ومكتبه ومهددا في عمله وحريته وعائلته، كانت الهزيمة رفيق دربه مهما كانت نسب نجاحه في معاركه وصراعاته الاخرى.
نقول انه صراع حضاري لاننا فشلنا، داخليا وخارجيا، وطوال العقود الستة الاخيرة، في كل مجال وميدان بطول وعرض عالمنا العربيِ كما فشلنا، بالرغم من جيرتنا القسرية مع اكثر دول العالم تقدما، وخلال نحو 60 عاما، فشلنا فشلا ذريعا في ان نتعلم منها كيفية احترام حقوق 'الانسان المواطن' دع عنك تعلم كيفية التقدم والتطور في مختلف المجالات الصناعية والحربية والثقافية والاقتصاديةِِ الخِ فالانسان الاسرائيلي لم يعرف طوال عقود ستة زوار الفجر او المعتقلات الخرافية الرهيبة او جلسات التعذيب او هتك اعراض الرجال والنساء في مختلف السجون السياسية العلنية والسريةِ كما لم يعرفوا في تاريخهم القصير نسبيا الانقلابات العسكرية لسبب ومن غير سببِ ولم يذوقوا طعم المقابر الجماعية المر ولا طعم العقاب الجماعي الأمر ولا حتى الجماع الجماعي لمخالفي الرئيس الاكثر مرارة!
لقد طال القصاص كل فئات المجتمعات العربية من متظاهرين ومخالفين وكتاب ومفكرين وعلماء من 'مثيري الشغب والفتن والمحن' كما طال المعارضين السياسيين والمعادين والمناوئين من الاخوان المسلمين والليبراليين والشيوعيين والاشتراكيين والعلمانيين والسلفيين والشيعة والسنة والتحريريين، وحتى المستقلينِ بل يمكن القول، من دون تحفظ، بأن السنوات الستين الاخيرة من حياة شعوبنا كانت الفترة الأسوأ في تاريخ بلادنا المعلوم في كل ما يتعلق بأبسط وأهم حقوق الانسان.
ثم يأتي الزميل والسياسي المخضرم والنائب السابق، وبعد ان فقد لبنان اكثر من 5000 ضحية بين قتيل وجريح جراء الحرب بين حزب الله واسرائيل، وخسارة المليارات ليقول بان ابطال حزب الله مازالوا يقاتلون في الخط الامامي 'يتسلون' بدبابات 'الميركافا' التي اصبحت كلعب الاطفال بين ايديهم، وان الصهاينة يقومون بانزال جنودهم ليلاِِ لينقلوا جثثهم صباحا في مسلسل اصبح متواصلا يومياِِ وندخل الشهر الثاني واللبنانيون يستندون الى واقع ميداني قوي والعدو هو المربك !!
لو كنا نحترم عقول، وانسانية، بعضنا البعض هل كنا نورد مثل هذا الكلام؟

زوار الموقع
الارشيف

Back to Top