كابي والشابي والخيام

28 مايو  2012

يقول المفكر اللبناني كابي خلف ان الحياة ومضة! ومضة سعادة، شهوة، محبة، لذة أو صلاة! وان الفرصة قد لا تتاح ثانية لممارسة أي منها، ان انتهت الحياة، وأيضا في ومضة! تذكرت كلام كابي وأنا استمع لنداء حكومتي «الرشيدة» بالامتناع عن السفر الى لبنان لخطورة أوضاعه، وبعودة من فيه لوطنهم! وهنا مر شريط علاقتي بلبنان أمام عيني في ومضات وفلاشات بدأ أولها عام 1956 عندما اصطحبني والدي للبنان سنتها فوقعت في حبه منذ يومها، ولم تمر سنة من دون أن أزوره مرة أو مرات ومرات، وفي سنة منها أقدمت، وفي ومضة، على الاقتران بأجمل من فيه!
خلال 56 عاما، منذ بيت حمانا وحتى سكن اليرزة، مر لبنان بأحداث مهولة من قتل واحتلال ودمار ومرارة وتشريد وتهجير وتعذيب، سالت خلالها دماء ودموع كالأنهار، هذا غير خسائر مادية بلغت مئات مليارات الدولارات، ولكن كان لبنان، كطائر الفينيق، يخرج كل مرة من تحت الخراب والركام والدمار أجمل مما كان عليه قبلها، فهذا قدر لبنان وهذا قدر من يحبه ولن يتغير شيء، فجماله وعظمته ولوعته وضعفه تكمن في تعدده الاثني والديني والطائفي وسيبقى هكذا ما بقيت الشيع والمذاهب!
وعليه وضعت مخاوفي جانبا، وعملت بنصيحة كابي، فالحياة ومضة، وهذه الومضة تتناقص قيمتها كل يوم، وقلت لنفسي انه مهما حدث وأنا هنا، فانني لن أرى، في ما تبقى من عمري، بشاعة وقتلا أكبر مما رأيته طوال أكثر من نصف قرن، وأن سعادتي، وهذا هو بيت القصيد، تكمن في الاستمتاع بحياتي وبحريتي بين من أحب، وليس في أن ابقى حيا بأي ثمن بين الحفر! فما قيمة الحياة بغير حرية ومحبة وكرامة، وهنا تذكرت بيت الشعر البليغ لسيدنا الشاعر التونسي ابو القاسم الشابي الذي يقول فيه:
«ومن يتهيب صعود الجبال
يعش أبد الدهر بين الحفر!».
فيا من تحبون لبنان، بكل جماله وتعقيداته وبشاعته، تعالوا اليه، وخوضوا غمار المغامرة، واستمتعوا بحياتكم حتى الثمالة، فعندما قال عمر الخيام بيته الشهير:
«واغنم من العيش لذاته
فليس في طبع الليالي الأمان»، لم يحدد مكان تلك الليالي غير الآمنات، فقد تكون في أعالي الجبال الشامخات، أو بين حفر أو تحت عجلات سيارات أو مركبات!