في المكان والزمان الخطأ

17 نوفمبر  2012

دعاني صديق كريم لحفل توديع شخصية دينية مسيحية انتهت مهامها في الكويت، وهناك تجمع رؤساء كل الطوائف والكنائس المسيحية، وبعد لحظات طلبوا منا أن ندخل القاعة الرئيسية، وفي الداخل وجدت عددا من الطاولات المستديرة تحيط بطاولة مستطيلة أكبر عليها زهور وبطاقات اسماء، وبدا أنها خصصت للمحتفى به و«كبار الضيوف»، ولم أحاول طبعا أن أعرف إن كنت من كبار أو صغار الضيوف، بل اخترت لنفسي مكانا أراقب فيه حفلا غريبا على طبيعي! بعد لحظات دخل القاعة رجل دين مسلم بعباءة وغطاء رأس كالذي يرتديه شيوخ دين لبنان، وهنا تعالت همسات من شاركوني الجلوس على الطاولة، وبانت إمارات التساؤل على وجوههم، ولم ينتظر أحدهم سؤالي، حيث بادرني بالقول إنهم يعرفون ذلك الرجل وأن لا علاقة له برجال الدين، ولا يعلمون لماذا انقلب خلال الفترة القصيرة الماضية على ملابسه الافرنجية وارتدى تلك العباءة وغطاء الرأس؟! المهم أن صاحب الدعوة احتفى به وسلم عليه بحرارة وقاده لمكان بارز على الطاولة الرئيسية التي ضمت بطاركة وقساوسة وخوارنة وغيرهم! وهنا تذكرت نصا قرأته للكاتب العراقي قاسم السهيل، يصف فيه موقف المجتمع من بعض رجال الدين، فتململت في مكاني وغمرني شعور بأن علي مغادرة مكان الحفل، والبحث عن ذلك النص والكتابة عنه، وما ان انشغل الداعي الكريم بضيوفه، وقبل ان تبدأ المراسم وإلقاء خطب المجاملات، حتى انسحبت بهدوء، احتراما لنفسي، وعدت للبيت وبحثت عن النص فوجدت ان السهيل يقول فيه: رجل الدين عندنا مُقدّس، لأنه الطريق الى النجاة، والواسطة بين الأرض والسماء، وخليفة رسول الله والأئمة، ولأنه بركة في نور في لطف في رحمة، ولأن النظر الى وجهه عبادة، الى آخر الأوصاف التي حملوها في مسيرتهم معنا، ولا ندري هل هم من ختموا أنفسهم بتلك الصفات أم نحن لصقناها بهم، ورضينا بها؟ انّ الجواب لا يهم، فالنتيجة واحدة، إذ ان رجل الدين صارت له مكانة ومنصب، والناس يقومون من مجالسهم، احتراما عند دخول العمامة عليهم خصوصا السوداء، ولا يقومون عندما يدخل كادح الى مجالسهم ولا حتى المهندس أو الطبيب، لماذا؟ لأن رجل الدين فقط مقدس! وقد يسأل البعض: ما الضير من ذلك؟ فنحن نجلّ العلماء! لكن الحقيقة هي ليست إجلالا وتقديرا، أكثر مما هي عقد تاريخية، وذلٌ نحسّ به أمام هؤلاء، فغالبيتهم يعيشون على مصائب الناس، ويسكنون القصور عندما يتشرد غيرهم، وحتى إن تشردوا واغتربوا ففي المكان الأوفر والطعام الأدسم، لأن الكثيرين ينسون أن رجل الدين، بشكل عام، موظف حاله حال كل من يخدم المجتمع، ولكن مسؤوليته أخطر لأنه يرفع شعار الدين! كما أن رجل الدين يدرس ويتعلم، ولو جمعت مواد علمه طولاً وعرضاً من المقدمات الى السطوح والكفاية وحاشية الملا عبدالله الى آخرها، لما زادت عن ستة أشهر دراسة اكاديمية وهذا بدقيق الحساب وليس الافتراء، وتراهم يولجون في هذه العلوم سنين طوال اقلها عشرون عاما. وإذا اعتبرناه مقدسا فقد توهمنا، والوهم يعطل المسيرة، أيّ مسيرة، هناك الكثيرون من رجال الدين المحترمين، تبرأوا من عمامتهم ورموها، بعدما رأوا التوظيف السيىء لهذه العمامة. (انتهى)!