دولة الخير.. ودولة الشر

19 حزيران  2012

لدينا أكثر من 1500 مسجد ومئات مراكز الدعوة والهداية الدينية وتحفيظ القرآن ومسابقاته وجوائزه، إضافة الى محاضرات دعوية في المساجد والمولات والمعسكرات الصحراوية، هذا غير قيام مئات آلاف المؤمنين سنويا بزيارات دينية لاكثر الأماكن قدسية لدى المسلمين. كما تزور البلاد عشرات «الشخصيات الدينية» كل عام لإلقاء المحاضرات، هذا غير مئات البرامج الدينية في التلفزيون والإذاعة التي تدعو الى سواء السبيل، كما لا ننسى هنا دور الصفحات الدينية في مختلف المطبوعات والمجلات، بخلاف ما تقوم به مئات الجمعيات الخيرية من أنشطة دعوية وطبع ونشر وتوزيع مئات آلاف الكتب والمنشورات والكتيبات التي تحث على حسن الخلق والاستقامة والزهد في الدنيا وفعل الخير وتجنب المعاصي، وغير ذلك كثير! ولكننا نجد في المقابل - وهنا بيت القصيد - أن خلال الفترة الزمنية نفسها زاد ارتكاب المعاصي والجرائم الجنسية وجرائم الفساد والرشوة بمعدلات فاقت معدلات زيادة السكان او التنوع العرقي والإثني بكثير، وحدث ويحدث كل ذلك في دولة يفترض أن شعبها يتمتع بأعلى مستوى معيشة في العالم، وحتما الوحيدة التي لا يوجد فيها من لا يمكنه الحصول على عمل، هذا إضافة إلى أن الكويت هي الدولة التي يفوق فيها نصيب الفرد من «الدرس الديني» أي دولة أخرى، فكيف يمكن أن نصدق، بعد كل هذا الزخم الدعوي وجود كل هذا العدد من مخالفي القوانين والمجرمين والمستهترين، وكفلاء كل هذا العدد الهائل من مخالفي الإقامة، الذين جلبوهم وتاجروا بعرقهم وحتى دمائهم، من دون أن يرف لهم جفن! فوجود كل هذا الكم من المساجين والمجرمين وأصحاب السوابق من المواطنين الممنوعين من السفر، في دولة توفر عملا لكل ساع له يبين أن هناك خللا ما، فما سبب كل هذا الفساد المنتشر ضمن «الإدارة الوطنية» في المؤسسات الحكومية وانتشار الرشوة علنا بين الجميع تقريبا؟! وكيف نصدق رضا كل هذا العدد من المواطنين لرواتب ومزايا من دون أن يقابلها قيام كثيرين منهم بأي مجهود يذكر أو حتى الاهتمام بالتواجد في العمل، مع حرصهم على أداء ما هو مطلوب منهم دينيا في المواقيت الصحيحة؟! وهنا يتبين لنا أن العبرة ليست في عدد المساجد وحجمها ولا بتكرار مسابقات القرآن وجوائزها ولا برحلات الحج والعمرة وفخامتها، ولا بتعدد الجمعيات الدينية ومجالسها، ولا بكثافة الدروس الدينية في المناهج الدراسية وتشعبها، فكل هذه «قد» تخلق شخصا متدينا ولكن، حسبما هو واضح، لا يمكنها أن تخلق مواطنا صالحا، والحقائق أمامنا واضحة، فالمواطنة الحقة والاستقامة في العمل وفي أداء الواجب الوظيفي ورفض الرشوة لا يمكن ضمانها عن طريق زيادة الجرعات الدينية، بل بالتوازن المعرفي والمنهج الدراسي الصحيح، وبالبعد عن التطرف والاقتراب من الاعتدال، وقبول تراث وثقافة الآخر، واحترام آدمية الغير. وفي السياق نفسه نجد أن نائبا يقول ان علم البلاد لا يستحق الاحترام لأنه مجرد «خرقة»، ويزيد عليه زميل له برفض الوقوف للسلام الوطني، لأنه نوع من الموسيقى المحرمة، فإنهم، بطريقة ما يرسلون رسائل عدة للنشء تقول انه ليس هناك علم وطني يستحق الاحترام، ولا سلام يستحق الوقوف، وبالتالي ينفيان بتصرفاتهما هذه مفهوم الوطن والمواطنة ويبرران لهما خيانته وسرقته وارتكاب ما يخطر على بالهم من مخالفات وجرائم بحقه، مع تسهيل اعتبار الرشوة والمتاجرة بالإقامات أمورا عادية لا تستحق كل هذه الضجة!