النص الديني وأدوات القياس

1 يوليو  2012

توجد في الحياة أدوات وطرق قياس لكل شيء تقريبا من المسطرة إلى ميزان الحرارة وميزان الوزن وغير ذلك، وهذه الأدوات تجعل من السهل مثلا تحديد مساحة غرفة مقارنة بغيرها، أو ثقل جسم مقارنة بآخر أو سرعة سيارة بغيرها. وعادة ما يقبل الجميع بالنتيجة من دون تردد، لأن أداة القياس حجة يصعب الطعن فيها. ولكن تصبح الأمور أكثر صعوبة عند مقارنة نص أدبي بآخر، أو قصة بأخرى، فهنا، وفي غياب تام لأي أداة قياس موحدة متفق عليها، أو جهة تمتلك القول الفصل، تتداخل خلفيات الأحكام الثقافية والدينية والذوقية في مسألة تحديد أي النصين، أو النصوص، أكثر بلاغة أو جمالا من غيره، وبالتالي تتعدد الآراء وتختلف الرؤى، وقد يتطور الأمر ويصل إلى درجة الخلاف الكبير، وقد تتجه فئة لفرض «ذوقها» أو رأيها على البقية لاعتقادها بأن ليس فقط القرب للصحة أو الحقيقة، بل هو الحقيقة المطلقة، وكل ما عداه هراء في هراء، وتتعقد الأمور أكثر عندما يجد طرف أن الوسيلة الوحيدة لفرض رأيه على الغير لا تكون بغير اللجوء للقوة. أكتب ذلك على ضوء الموضوع الذي نال بموجبه الشيخ مصطفى محمد راشد درجة الدكتوراه في الشريعة والقانون من جامعة الأزهر بتقدير عام امتياز، حيث ورد فيه أن الحجاب ليس فريضة اسلامية، وان تفسير الآيات بمعزل عن ظروفها التاريخية، واسباب نزولها قد ادى إلى فهم مغلوط شاع وانتشر بشكل كبير حول ما يسمى بـالحجاب الاسلامي، والحجاب هو المراد به غطاء الرأس الذي لم يرد لفظه في القرآن على الاطلاق، الا ان بعضهم قد اختزل مقاصد الشريعة الاسلامية وصحيح التفسير ورفض إعمال العقل في نقله وتفسيره، وأورد النصوص في غير موضعها وفسرها على هواه، مبتعدا عن المنهج الصحيح في التفسير والاستدلال الذي يفسر الآيات وفقا لظروفها التاريخية وتبعا لأسباب نزولها، إما لرغبتهم وقصدهم في أن يكون التفسير هكذا، واما لحسن نيتهم لأن قدراتهم التحليلية تتوقف إمكانات فهمها عند هذا الحد لعوار عقلي أو آفة نفسية!

وهنا نجد أن من السهل على آخرين الطعن في كلام الشيخ مصطفى، وتقديم أدلة معاكسة تثبت أنه هو الذي يشكو من عوار عقلي أو آفة نفسية، وسيصل آخر إلى نتيجة تخالف الرأيين، وهكذا. وعليه، وفي غياب أي أدوات قياس حيادية أو عقلية حاسمة، يصبح من الصعب، او المستحيل، الوصول إلى رأي تام وبات متفق عليه في أي موضوع تقريبا، والحل هو في قبول كل طرف بما يعتقده الطرف الآخر، والعيش معه بسلام، وخلاف ذلك لا فيصل غير إعمال القتل بعضنا في بعض حتى آخر نفس، وليصبح من بقي على قيد الحياة، ولو مصادفة، هو صاحب التفسير الصحيح! وحتى هنا لن ينتهي الأمر، فسرعان ما سيدب الخلاف من جديد بين المنتصرين على ما هو صحيح وما هو أصح، أو الأكثر صحة، وهذه سنة الحياة، والعاقبة لمن اتعظ!