المؤامرات المخجلة

9 يوليو  2012

انقلاب يوليو 1952 في مصر كان مؤامرة، وهكذا مع انقلاب تموز العراقي، وكذا الانقلاب على حميد الدين اليمني، والخميني على الشاه، فجميع هذه الانقلابات والثورات دبرتها المخابرات الغربية! وتكرر الأمر ذاته في تونس على بورقيبة وعلى بن علي بعدها، وفي مبارك مصر وقذافي ليبيا، مرورا بالسفيرة إبريل كلاسبي، وكيف «خدعت» صدام واغرته بغزو الكويت! وحتى حرب 2003 على العراق مؤامرة، بحجة البحث عن أسلحة الدمار الشامل، وزادوا على ذلك بأن ما يجري من عقوبات اقتصادية وتهديد عسكري لإيران يصب في نهر المؤامرة نفسه، ولا ننسى طبعا وصول الإخوان للحكم في مصر وتونس، وهكذا مئات المؤامرات تصاغ في وكالات وأجهزة المخابرات الغربية ضدنا يوميا طامعين في مياهنا ومعادننا وبترولنا وارصدتنا النقدية، هذا غير رغبتهم في القضاء على عاداتنا وتخريب معتقداتنا والفتك بديننا! ولكن الغريب ان لا أحد من هؤلاء حاول أن يتساءل يوما: لماذا نحن؟ لماذا لم يتآمروا في نصف القرن الماضي على ماليزيا، وهي مفرطة الغنى، أو تركيا، وهي ليست اقل إسلاما وغنى من ماليزيا؟ ولماذا لا تآمر هناك على النرويج والمكسيك، وبترولهما وغناهما يتجاوز اضعاف ثروات كل الدول العربية؟ ولماذا التركيز الشديد علينا نحن بخلاف هذا العالم، غير متناسين ما حصل ويحصل في أفريقيا واميركا الجنوبية وغيرها؟ هل لأننا صيد سهل وجهلة؟ أم لأننا نشكل خطرا على الغرب؟ أعتقد أن كل ذلك إضافة للسبب الأهم وهو أنظمة حكمنا الدكتاتورية وجهلنا في إدارة ثرواتنا بطريقة سليمة، وفساد سياسيينا، فالمؤامرة، بالرغم من رفضي لها بمعناها الكلاسيكي، أمر تتبعه كل القوى الكبرى! فلا يمكن أن يعتمد الغرب مثلا على مادة حيوية، كالبترول، ولا يخطط في كيفية استمرار تدفقه لمصانعه ومركباته وطائراته بسلاسة وشروط عادلة! وبالتالي ليس بإمكانه ترك الأمر للصدف، بل يتطلب الأمر تخطيطا محكما، ويكون غبيا إن لم يفعل ذلك. ولو كنا نحن، لاعنو المؤامرة، في وضعه لما ترددنا في القيام بالشيء ذاته. وبالتالي فإن ما يجذب «ذباب المؤامرات» لنا هو عسل جهلنا وتخلفنا وتمسكنا بدكتاتورياتنا، فالدكتاتورية هي السلطة المطلقة والسلطة المطلقة فاسدة ومفسدة، والفساد يؤدي إلى تآمرنا على الآخر وتآمر الآخر علينا، اما لأخذ نصيبه من الكعكة أو لضمان «حقوقه» في ما نملك، فمادة كالنفط ليست حقا مطلقا لمن ينتجها! وبالتالي لتجنب تآمر الآخرين علينا يجب أن نحتاط للأمر بالتخطيط السليم وأن نحترم انفسنا وشعوبنا وكراماتنا، وهذا لا يمكن أن يتحقق بغير التحول لدول ديموقراطية يكون فيها القرار للأمة وليس لفرد دكتاتور، فحرب العراق على إيران واحتلالها للكويت، كمثالين حديثين، لم يكونا ليقعا لو كان العراق ديموقراطيا! ومبارك ما كان ليسقط لو كانت مدة حكمه «الشرعية» قد قاربت على الانتهاء! والقذافي ما كان ليقتل كالفأر وتدمر بلاده «بمؤامرة دولية» لو كان مؤمنا بتداول السلطة ويعرف شيئا اسمه دستور! وقيام صدام بقتل عشرات الآلاف من شعبه بأسلحة محرمة ما كان ليقع لو كان القرار جماعيا، ولو كان العراق ديموقراطيا! وهكذا مع سوريا الأسد، التي كان من الممكن ان تكون أغنى واجمل الدول العربية وأكثرها حصانة من المؤامرة، لو كانت تتمتع بنظام ديموقراطي السلطة فيه للأمة وليس لفرد أو عائلة!