لا هولندا بعد اليوم 2 من 2

7 اغسطس  2012

تشتهر النيذرلندز بكونها واحدة من أكثر دول العالم إيماناً بمبادئ الحرية، وربما جاء ذلك كرد فعل لتاريخها الاستعماري السيئ! فبالرغم من أسبقيتها في تحريم المتاجرة بالرقيق، عام 1863. (وكنا في الخليج بعد ذلك التاريخ بمائة عام لا نزال نتعامل به)، فإنها لم تستطع أن تغفر لنفسها تاريخها الاستعماري السيئ، ومعاملتها غير الإنسانية لسكان مستعمراتها ومع الرقيق، ولا شك أن هذا خلق لديها ردة فعل بحيث أصبحت أكثر دول العالم «إنسانية» في التعامل مع الآخر! علماً بأن تحريم الاتجار بالرقيق أدى في حينه لبداية تدهور أوضاعها الاقتصادية، وصاحبه تأخر في اللحاق بالدول الأوروبية في مجال تطوير صناعاتها، وهذا أدى إلى تأخر ثورتها الصناعية! كما ساهمت حروبها مع الإنكليز والتي خسروها جميعاً، في استيلاء هؤلاء على أغلبية مستعمراتهم في أميركا ونيوزيلندا وجنوب أفريقيا وغيرها. وأكملت فرنسا المهمة واحتلت بلادهم مع نهاية القرن 18 في عهد نابليون، ونقل حاكمها الفرنسي، شقيق نابليون، العاصمة إلى أمستردام! ولكن بعد زوال الاحتلال أبقى الدتش، بما عرف عنهم من ميل للحلول الوسط، أمستردام كعاصمة، ولكن نقلوا مقر الحكومة ومؤسساتها لـ «لاهاي»، والتي تعرف، أيضاً، بعاصمة «الشرعية الدولية».

برع النيذرلندرز في صناعة السفن الضخمة التي سهّلت لهم عمليات استكشاف أعالي البحار، ومكنتهم، أيضاً، من تنمية تجارتهم على حساب صناعاتهم ومنتجاتهم الزراعية، إلى أن جاء وقت ارتفعت فيه قيمة عملتهم لدرجة كبيرة بسبب النمو الكبير في مداخيلهم من هذه العمليات من التجارة والخدمات، وهذا أدى إلى رفع تكلفة منتجاتهم الصناعية والزراعية، ولم تجد بالتالي من يشتريها بسبب غلاء أثمانها، وهذا ما عرف بعد ذلك بـ «مرض الدوتش» Dutch disease، وهي تجربة لا تزال تدرس في الجامعات.

زيارة أمستردام، أو فينيسيا الشمال، متعة لا تضاهى، فهي مدينة جميلة وفريدة من نوعها، ان بشبكة قنواتها الواسعة أو بجسورها وقناطرها القديمة التي تجعلها مدينة شاعرية وخلابة هذا غير ما يجري تحت أراضيها من تقنية عصرية ومتقدمة.

يعتبر الدتش شعباً مسالماً، وعرف عنهم تقبلهم لثقافات الآخرين وسهولة التعايش معهم، ولا نجدهم بالتالي يتصرفون بطريقة عدائية مع الغريب والعكس هو الصحيح، نقول هذا بالرغم من النجاح الكبير الذي حققه اليمين المتطرف في الانتخابات الأخيرة بسبب دعواتهم المعادية للأقليات الإسلامية، وربما لا يلام البعض على مواقفه المتطرفة، فقد أساء بعض قادة المسلمين لحريات التعايش ومارسوا التمييز السلبي ضد المرأة في مجتمعاتهم، وتصرفوا معها وكأنهم لا يزالون يعيشون في سابق مجتمعاتهم التي هربوا منها بحثاً عن.. الحرية! وأظهر نجاح النائب المتطرف ويلدرز حجم العداء الذي أصبح يتفاقم تجاه الغرباء، وزاد الأمر سوءاً الزيادة الكبيرة في أعداد العاطلين عن العمل بين أبناء البلاد الأصليين.

ورداً على بعض «جماعتنا» عن أسباب فشلنا في الصناعة من أنهم يكتفون بحمد الله وشكره، لأنه سخّر لهم الغرب ليصنع لهم كل شيء، فإنك عندما تسير في شوارع أمستردام تشعر وكأن شعبها يشكر الله ويحمده، لأنه سخّر لهم العرب والمسلمين للقيام بخدمتهم وأداء الأعمال المتواضعة نيابة عنهم!