اليابان.. سلباً وإيجاباً (1 - 3)

2 سبتمبر  2012

يعتبر ماركوس أورليوس Marcus Aurelius، (حكم 161 - 181) من أعظم خمسة أباطرة حكموا روما. وينقل عنه قوله ان على كل فرد أن يعيش حياة شريفة ويلتزم أخلاقيا، فإن كانت هناك آلهة عادلة وعاقلة، (وكان يؤمن بتعدد الآلهة)، فإنها غالبا لن تهتم بمدى التزام الفرد بتعاليمهم وعباداتهم، بل سيغفرون له «معصيته» بناء على فضائله وأخلاقه التي عاش بموجبها. وإن لم تكن الآلهة عادلة، فإنهم لا يستحقون الالتزام بتعاليمهم! وإن لم تكن هناك في نهاية الأمر لروما آلهتها، فلن يكون هناك فرق بين أحد! ولكن البشرية تكون قد كسبت أولئك الذين عاشوا بطريقة شريفة ونبيلة، لتبقى ذكراهم إلى الأبد.

واجهت اليابان كوارث لا تعد في تاريخها، ولولا ما تميز به الياباني من جلد وقوة احتمال على العمل الشاق، لما تمكن من تحقيق شيء، فهي الدولة الوحيدة التي اكتوت بنار قنبلتين نوويتين، هذا غير تعرضها المستمر للزلازل والكوارث الطبيعية، مثل ما اصابها اخيرا. فأرض اليابان فقيرة، ومواردها محدودة وجغرافيتها صعبة، وبالتالي كان لا بد من خضوع شعبها القوي الشكيمة لمجموعة معتقدات دينية وعسكرية، وإيمان بأنه أفضل من غيره، وبالرغم من كل ما تسببت به قنبلتا هيروشيما ونكازاكي من مصائب مهولة، إلا أنهما كانتا «نقطة تحول» مفصلية في تاريخ اليابان الحديث، بتأثيراتهما العميقة في شخصية الياباني، خلال السبعين سنة الماضية، وجعله أكثر تسامحا بعد كل ما كانت تتصف به من صلافة وعنجهية وميل شديد للعسكرية والخضوع التام للامبراطور، ابن الله! فيابان ما قبل ماك آرثر هي غيرها بعده، فالصدمة الثقافية والإنسانية الإيجابية التي ساهم الجنرال الأميركي، وفريق العلماء والخبراء الذين صاحبوه، في خلقها لدى الفرد الياباني هي التي دفعت اليابان صناعيا وأخلاقيا إلى أن تكون ما هي عليه الآن، والتي أدت تدريجيا لاختفاء العنجهية لتحل محلها شخصية مسالمة ومرنة وأكثر تقبلا للآخر، من غير تفريط في الأساسيات العميقة للأخلاق اليابانية، فكيف حدث ذلك؟ وكيف تزامن تقدمها الصناعي وترفعها الأخلاقي مع تناقص التزاماتها الدينية؟ وكيف قبلت بتخليها عن فكرة تقديس الإمبراطور، ورفض بقية الرموز الدينية لمصلحة تحولها إلى دولة علمانية كاملة؟

الأمر برمته يعود إلى أمرين أساسيين: أولهما غياب فكرة العقاب والثواب من الفكر الياباني، وثانيهما المنهج الأخلاقي الذي اتبع تدريسه في كل المدارس مع نهاية الحرب العالمية الثانية وحتى اليوم، والذي كان له أبلغ الأثر في تشكيل فكر الفرد الياباني، وجعل الأخلاق، من منطلق منطقي، الأساس في التعامل مع النفس ومع الغير، وليس الخوف الديني من العقاب. فهناك فرق بين ان نكون أمينين ومهذبين وشرفاء، لأن الأخلاق تتطلب ذلك، وبين أن نكون كذلك لأن التعاليم الدينية تقول ذلك، ففي الحالة الأولى الفضاء الذي يشمله هذا الخلق والتهذيب أكثر رحابة، وبالتالي لا يقتصر على أصحاب الدين أو المذهب نفسه، بل الجميع تقريبا! فغالبية الأديان تطالب أتباعها بأن يكونوا شرفاء وأمناء بعضهم مع بعض، ولكنها لا تطالبهم بالضرورة بالتصرف بالقدر والطريقة نفسيهما مع اتباع العقائد الأخرى!