اليابان غيجابا وسلبا 2 من 3

3 سبتمبر  2012

كان لافتا للنظر، أثناء كارثة تسونامي الأخيرة التي تعرضت لها اليابان، عدم تعرض أي آلة سحب نقد مصرفية للاعتداء أو التلف، هذا غير تصرفات أخلاقية مماثلة اخرى، مثل قيام مرتادي الأسواق المركزية بإعادة ما بأيديهم من مشتريات عندما انقطعت الكهرباء عن السوق، ومغادرته بهدوء، نتيجة الزلزال، ولو كنت مكانهم، مع تربيتي وثقافتي الحالية، لربما وضعت بعض المال المساوي لثمن ما كان بيدي على الرف وأخذت الطعام معي وخرجت! ما نود الوصول اليه هنا لا يتعلق برغبتنا في إظهار مزايا الشعب الياباني، وجلد ذاتنا، بل في الوصول للسر أو السبب الذي يدفع شعبا قليل الإيمان بالجنة والنار والثواب والعقاب لأن يتصرف بهذه الطريقة اللافتة للنظر، مع الأخذ في الاعتبار أن ما رأيناه لا ينطبق على كل الشعب الياباني، ولكنه يشمل الغالبية حتما! فما الدافع وراء كل ذلك إن لم يكن الخوف من عقاب سماوي وفي غياب تام لأي سلطة أرضية أو شرطة؟ علما بأن إيمان غالبية اليابانيين، بمعناه التقليدي الذي نعرفه، هو لا شيء تقريبا! وهنا نعود مرة أخرى للمرحلة التي تلت إلقاء القنبلتين النوويتين، واحتلال القوات الأميركية لها، وإطلاق يد الجنرال ماك آرثر وفريقه في إحداث ما يرونه من تغيرات، بحيث أصبحنا اليوم، وبعد 66 عاما، نرى نتائجها واضحة للعيان، فقد تم تركيز كل الجهد الحكومي على إعادة «تأهيل وتربية» الفرد الياباني طوعا وحتى قسرا، إن من خلال المناهج الدراسية، التي تغيرت بكاملها، وما تبع ذلك من تغير غير عادي طال كامل أنشطة الحياة فيها شمل حتى مواد الدستور، مع اتباع نظام ضرائب خلاق، وتوجيه كامل المخصصات العسكرية السابقة للأغراض السلمية، وتحويل المجتمع الياباني لمجتمع ديموقراطي لا يؤمن بالحرب، بل بالسلام والتنمية، واصبح إصلاح الفرد والمجتمع والنظام هدف كل هذه البرامج، بعد أن كانت الجهود تتجه نحو تقديس الإمبراطور وتمجيد الروح الحربية والإيمان التام بالنظام العسكري كاسلوب للحياة، ومن هنا بدا التغيير في طريقة تفكير وتصرف الفرد الياباني وتوجيه قدراته الكبيرة، وبمساعدات مالية أميركية ضخمة، للعمل الجاد والتركيز على الأخلاق من خلال تكثيف دروسه لطلبة المدارس في غالبية مراحل الدراسة الأولى، وبالتالي أصبحت الأمانة وحب العمل والجلد والتحلي بمجموعة أخرى من الفضائل مسألة يقولها المنطق وليس الدين، وفيها يكمن صلاح المجتمع ككل وتقدمه، وهو السر وراء نجاح الياباني واستقامته، والتي ليس لعقائده الدينية القديمة دور فيها أو في سياسة الدولة، بخلاف بعض الطقوس الدينية الاحتفالية، الشديدة الرمزية، التي تتبع في المناسبات الرسمية، والتي يتوقع اندثارها مع الوقت. فتجذير تدريس الأخلاق على أسس عقلانية أكثر ديمومة هو الذي يؤدي الى حسن التصرف بصورة تلقائية وليس بالضرورة الخوف من العقاب. فهذا الخوف من العقاب قد يختفي، متى ما زالت أسبابه! وبالتالي نحن بحاجة الى تدريس مادة الأخلاق لأبنائنا، التي اساسها المصلحة المشتركة، وليس الخوف المشترك من العقاب!